في حرب نفط الكبار… احموا رؤوسكم

 

تكثر التساؤلات والتحاليل حول واقع تأثير ازمة كورونا العالمية على النظام العالمي الحالي لجهة اسهامها في رسم ملامح تبدلات وتغييرات جذرية في نظام الحوكمة التقليدية للعالم والتي ستبدل الكثير من التحالفات الاستراتيجية التاريخية والكثير من موازين القوى في صناعة الاقتصاد العالمي والعلاقات السياسية والاستراتيجية بين الدول الكبرى والفاعلة والمؤثرة على السياسات الاقتصادية والمالية.

باكورة هذه التبدلات والتغييرات تكمن في حرب النفط التي دارت رحاها، أخيراً، بموازاة الحرب الكونية على فيروس كورونا والتي قد تكون سرعت في التبدلات وانقلاب الكثير من التوازنات.

ففي الحقائق، ان الصين اكبر مستورد للنفط (140 مليون برميل يوميا) تعاني من شلل وتباطؤ في اقتصادها بسبب ازمة كورونا، كما ان حوكمة النفط العالمية التي كان ايقاعها الى الان مضبوطا في ما خص الانتاج والبيع في الاسواق العالمية، من خلال منظمة اوبيك، خرجت عن قواعد انتظامها مع تحالف جديد مواز سمي (اوبيك بلاس) وضم السعودية وروسيا والولايات المتحدة، الى جانب مجموعة الدول المنتجة العشرين في اوبيك، منذ شهر تموز من العام الماضي الى ان انتكس التحالف في شهر آذار 2020 عندما اعلنت روسيا رفضها لاقتراح سعودي بتخفيض الانتاج بسبب تضاؤل الطلب على النفط وانهيار سعر البرميل.

تطور الكباش السعودي ـ الروسي، عندما قررت المملكة العربية السعودية وردا على الرفض الروسي لاقتراحها، رفع انتاجها الى الطاقة القصوى لإغراق العالم بالنفط وصولا الى انتاج حوالي 13 مليون برميل يوميا ما هدد بانخفاض مريع لسعر البرميل الى اقل من 20 دولار.

جن جنون الطرف الاميركي الذي يضر انخفاض سعر البرميل بإنتاجه هو من النفط الصخري الاميركي لكون كلفة انتاجه واستخراجه مرتفعة، وبالتالي هبوط سعر البرميل الى ارقام قياسية (بين 30 و20 دولار للبرميل) يضرب قطاع انتاج النفط الصخري ويجر إفلاسات الشركات النفطية الاميركية في ولايتي تكساس وداكوتا الشمالية خصوصاً، ما يهدد الاقتصاد الاميركي برمته ومن ورائه اقتصاديات العالم.

دخل الرئيس الاميركي دونالد ترمب على خط انقاذ الانتاج النفطي الاميركي الصخري، واتصل بكل من الطرفين السعودي والروسي لحملهما على ايقاف هذه الحرب التي تلحق اضرارا فادحة بالإنتاج الاميركي الصخري.

واثمرت الجهود بتاريخ 12 نيسان الحالي التوصل الى اتفاق تاريخي مع كل من اوبيك بلاس ومجموعة العشرين بالخفض التدريجي لإنتاج النفط، وقد وصف بأكبر خفض للإنتاج في التاريخ، على امل رفع سعر البرميل، (خفض الامدادات من اوبيك بلاس ومجموعة العشرين ومشتريات الاحتياطي البترولي سيمثل نحو 19.5 مليون برميل يوميا كإجمالي تخفيضات عالمية)، وبما يتيح للمنتج الاميركي النفطي استمراره في الانتاج وتحمل تكلفته العالية خلافا للكلفة العادية في استخراج النفط السعودي والروسي. وصرح وزير الطاقة السعودي منذ ايام بعدم تأجيل خطط زيادة الطاقة الانتاجية للمملكة الى 13 مليون برميل يوميا بعد الانتهاء من اتفاق اوبيك بلاس، علما ان دول مجموعة العشرين من خارج اوبيك بلاس كانت تعهدت بخفض 3.7 مليون برميل يوميا من امدادات الخام.

ما حصل لافت جدا ومثير، اذ تبين انه كان كاف لضرب الاقتصاد الاميركي من خلال بوابة انتاج النفط الصخري، ان تعمد السعودية الى رفع طاقتها الانتاجية ردا على رفض موسكو تخفيض الإنتاج، ما ادى الى سقوط سعر البرميل والحاق الاضرار والخسائر الكارثية بالمنتج الاميركي بالدرجة الاولى (الشركات الاميركية المنتجة للنفط الصخري تخسر عند وصول سعر البرميل الى 35 دولارا ما يتسبب في افلاسها فكيف اذا تدنى السعر الى اقل من 35 دولار؟)، بفعل رفع الطاقة الانتاجية القصوى الى اكثر من حصة السعودية الحالية (المحددة بـ8.5 مليون برميل يوميا الى حد الوصول الى 13 مليون برميل)، وعجز الاميركيين عن تغطية كلفة الانتاج النفطي الصخري، كما ادت الخطوة السعودية الى تضييق هوامش حصة الروس من الكعكة النفطية.

اولاً: فمن المعروف ان سوق النفط العالمي محكوم من كل من الاميركيين والروس والسعوديين كمنتجين وهي دول لطالما تنافست على الاستحواذ على الحصة الاكبر من الكعكة النفطية العالمية.

في خضم التنافس القوي هذا لا بل اشتداد الصراع الدائر في السوق العالمية للنفط، قررت المملكة العربية السعودية الخروج من مراضاتها الاميركيين عندما قررت الرياض زيادة انتاج النفط بالتعاون والاتفاق مع دولة الامارات العربية المتحدة بنية الضغط على الاميركيين والروس في ان واحد.

فبزيادة النفط ازداد المعروض ما أثر سلبا على اسعار البرميل، إذ تدنى سعره الى اقل من 30 دولارا. وبانخفاض سعر البرميل تمكن كل من السعوديين والاماراتيين من زيادة حصصهم من الكعكة النفطية العالمية بحكم تقديمهما للعروض والخصومات بالشكل الذي يناسبهما.

ثانيا: اعتبرت اميركا وروسيا ان السعودية ومعها الامارات تأكلان من حصصهما ونصيبهما في السوق العالمي، ما ادى الى التصادم بينهما وكل من الروسي والاميركي.

ترمب خرج عن طوره واتصل بولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان لمحاولة ثني السعوديين عن الاستمرار في سياستهم. ومنذ ايام قليلة، جرى اتصال بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدراسة امكانيات الضغط على المملكة لحملها على مراجعة سياستها الانتاجية.

فاستمرار السعوديين في زيادة انتاجهم وفضلا عن تأثيره على الاسعار انخفاضا، يضرب القطاع الانتاجي النفطي الأميركي، لان الاميركيين ينتجون النفط الصخري الذي يتطلب استخراجه تكلفة باهظة لن تستطيع واشنطن الاستمرار بتحملها ان اصبح سعر البرميل ادنى بكثير من هوامش كلفة انتاجه والتي لا يجب ان تقل عن 70 دولار (فيما روسيا تكتفي بسعر 42 دولار للبرميل لضعف كلفة انتاج النفط لديها) بحيث يغدو انتاج هذا النوع من النفط مكلفا يؤدي الى توقف الشركات الاميركية ووقوعها في افلاسات ومتاعب اقتصادية مترابطة خصوصاً ان موازنة الولايات المتحدة في عجز لأكثر من تريليون دولار.

من هنا ازدادت الضغوط المالية على الانتاج الاميركي لان تكلفة استخراج النفط الصخري عالية جدا خلافا لكلفة استخراج النفط السعودي والنفط الروسي، ما كان يمكن ان يجبر واشنطن على الانسحاب من سوق النفط العالمي كي لا تضطر الى بيع النفط الصخري بأسعار خاسرة لا تغطي كلفة استخراجه وبالتالي يزيد عجز ميزانياتها المالية.

ثالثاً: اقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أخيراً، ان روسيا واميركا تخسران من زيادة الانتاج السعودي وقد صرح الرئيس الروسي بأن السعوديين برفعهم كميات انتاج النفط انما ارادوا ضرب السوق الاميركي النفطي الصخري.

واعتبر بوتين ان السعوديين بحاجة للسيطرة على سوق النفط الصخري الاميركي ما ادى الى تدخل الرئيس الاميركي مباشرة وشخصيا على خط الازمة للطلب من الرياض وقف سباق انتاج النفط لارتفاع الاسعار مجددا وتمكين شركات الانتاج الاميركية من العودة الى انتاج النفط الصخري.

الا ان الرياض لم تمتثل للطلب الاميركي في البداية، والوضع اتجه نحو التصعيد السياسي بين الدولتين ما كان يهدد الإطاحة بإرث تاريخي من العلاقات الاستراتيجية والشراكات الاقتصادية والمالية والعسكرية، مع تلويح واشنطن منذ ايام باللجوء الى ورقة التهديد بسحب القوات الاميركية وقواعدها ومنظومات الدفاع الجوي الاميركية المتطورة من المملكة.

وفي المعلومات، ان ثمة مبادرة جمهورية كان يتم الاعداد لها في مجلس الشيوخ الاميركي لإصدار قرار عسكري اميركي صارم بحق المملكة واقرار تشريع بسحب القوات الاميركية من المملكة العربية السعودية مع انظمة دفاعهم الجوية ما لم تقم المملكة العربية السعودية بدور بناء في اعادة الاستقرار الى اسواق النفط العالمية. ما كان يوحي بأننا عشية تبدلات وتغيرات دراماتيكية في الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض.

رابعاً: السعودية التي هالها منذ حادثة قصف منشآت ارامكو وتكرار حوادث قصف الحوثيين بالصواريخ لمدن في المملكة من دون تدخل المنظومة الصاروخية الاميركية لحماية الاجواء السعودية، وسماع مواقف من ترمب يتبرأ من حماية الممرات النفطية الخليجية والمضائق من التهديد الايراني ويطالب بأثمان ان احتاج اليه حلفاؤه الخليجيين، تبدو مستعدة أكثر من قبل لاستخدام ورقة التسلح من الروس والصين والتخلي عن صفقات السلاح مع الاميركيين.

ويجمع محللون استراتيجيون على ان اي تراجع اميركي عن دعم المملكة سيحول اهتمام السعوديين الى اسواق التسلح الروسي والصيني، وابرام صفقات صواريخ كمنظومة اس 400 الروسية للدفاعات الجوية او حتى منظومة الدفاعات الجوية الصينية المتطورة. فروسيا والصين لن يرفضا عميلا بحجم السعودية يمكن بناء شراكات تجارية واستراتيجية معه في المنطقة، وغايتهما مزدوجة سواء لكيد الاميركيين وللاستفادة من قيم ارباح كبيرة نتيجة الصفقات التي تبدو المملكة قادرة على تحملها وبالتالي، توسعة سوق التسلح الروسي والصيني في المنطقة على حساب النفوذ التاريخي لواشنطن.

في الواقع، بدأت الرياض منذ العام 2017 ابرام اتفاقيات شراء سلاح روسي، إذ اشترطت على الروس توطين صناعة تلك الاسلحة المشمولة بطلبيات شرائها منهم داخل المملكة بإشراف الخبراء الروس.

وترمب متيقن من هذا الواقع، وهو الذي انبرى عام 2018، عندما حصلت موجة الاحتجاجات الداخلية ضد سياسته المتعاونة مع السعوديين، غداة قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، للدفاع عن وجهة نظره، بإبراز مساوئ مقاطعة السعوديين، على سوق بيع السلاح الاميركي ماليا واستراتيجيا متهما روسيا والصين بالوقوف بالمرصاد فرحين، للحلول مكان واشنطن في جذب السعوديين الى اسواق تسلحهم.

ويبقى السؤال، هل يفتتح فيروس كورونا حقبة جديدة من الفيروسات القاتلة المزعزعة لتحالفات استراتيجية تاريخية دامت لأكثر من سبعين عاما، في المنطقة؟

عام 1973 استخدم العرب وتحديدا السعوديون سلاح النفط للضغط على الاميركيين لوقف غطرسة اسرائيل ضد العرب. وفي العام 2020 تستخدم المملكة السعودية سلاح النفط للضغط على حليفها التاريخي الدولي الاول الأميركي، وان توصلت الاطراف الى اتفاق على التخفيض التدريجي للإنتاج الا ان العبرة تبقى في فقدان الثقة المتبادلة والحذر الذي بات عليه الخليج في مقاربته الحليف الاميركي الذي فشل في الحفاظ على علاقات الشراكة الاستراتيجية مع حلفائه العرب التاريخيين في المنطقة.

ويجب ايضا الا يغيب عن البال انه يبقى للسعوديين استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، فأي سحب لهذه الاستثمارات او تضييق عليها، قد ينعكس سلبا على اقتصاد الولايات المتحدة بالدرجة الاولى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل