ماذا بعد كورونا؟ الفنادق موت سريري والمطاعم في غرفة العزل

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1707

 

باستثناء الثابتة العلمية التي تؤكد أن جائحة كورونا ستنتهي في لحظة ما، ومع الكلام عن اقتراب توصل العلماء إلى إيجاد لقاح مضاد لفيروس عدو البشرية مما يطمئن بإمكانية التخلص من فيروس الوباء في حال ظهوره من جديد، لا شيء يجعل مطلق أي إنسان على سطح الكرة الأرضية يضحك في سرّه أو يطمئن على مصيره ومستقبله.

ثمة من يقول إن حياة الإنسان فوق كل تداعيات كورونا الإجتماعية والإقتصادية. صحيح. لكن ما بعد كورونا لن يكون كما قبله حتى لا نقول لم ولن يعود. وقد يصبح ما قبل كورونا مجرد ذكريات أو روايات وأفلام سينمائية وربما عِبَرٌ لمن يعتبر.

ما بعد كورونا يطرح أولا مصير الإقتصاد العالمي. وقد تعود العجلة 30 عاما إلى الوراء بعدما وضعتها التدابير الوقائية على أجهزة التنفس الإصطناعي.  قد تتغير أنطمة وتسقط إتفاقات دولية ومعاهدات إقتصادية وتتفتت إتحادات وتقفل حدود دول كانت مشرعة على بعضها بموجب اتفاقات دولية وتعلن ولايات استقلالها عن ولايات أخرى…

الخارطة الإقتصادية ما عادت ضبابية لكنها مؤجلة، لكنها من دون شك ترسم أكثر من علامة استفهام لا سيما في الدول التي تعاني ضائقة إقتصادية ولبنان من ضمن اللائحة. وإذا كانت التقارير الدولية تنذر بالأسوأ إلا ان ثمة قطاعات ستتأثر أكثر من سواها من جراء زمن التعبئة ومنها قطاعي الفنادق والمطاعم وما يدور في فلكهما اللذين دخلا مرحلة النزاع قبل زمن كورونا…وما بعده موت سريري أقله لمدة 5 سنوات.

 

تحت عنوان “ثمن الكرامة” نشرت منظمة “أوكسفام” العالمية غير الحكومية تقريرا سوداويا صادما عن التداعيات الإقتصادية ما بعد كورونا وفيه أن “نصف مليار شخص إضافي في العالم قد يصبحون تحت خط الفقر من جرّاء تداعيات وباء كورونا إذا لم يتمّ الإسراع في تفعيل خطط لدعم الدول الأكثر فقرًا، وما بين 6 و8 في المئة من سكّان العالم قد يلحقون بركب أولئك الّذين يعيشون حاليًّا تحت خط الفقر، بعدما أوقفت الحكومات دورات اقتصاديّة بأكملها من أجل احتواء تفشّي الفيروس، مما يعيد سياسات مكافحة الفقر على مستوى العالم عشرة أعوام إلى الوراء، لا بل ثلاثين عاما في مناطق معيّنة على غرار إفريقيا جنوب الصحراء، وشمال إفريقيا والشرق الأوسط. فماذا عن لبنان؟

منظمة “هيومن رايتس ووتش” استبقت كل الترجيحات وكشفت التالي: “الجوع سيهدد سكان لبنان من جرّاء انتشار فيروس كورونا المستجد والقيود المتخذة لمكافحته في هذا البلد الذي يشهد أساساً انهياراً اقتصاديا، كما كشف عن التقصير الحاصل في نظام الحماية الإجتماعية”. وفي حال لم تضع الحكومة على وجه السرعة خطة قوية ومنسَّقة لتقديم المساعدات…يكون الآتي أعظم.

 

الأشقر: الوضع كارثي

قد تحمل عبارة الجوع شيئا من المبالغة، خصوصاً على اللبناني، إلا ان الحرب التي يخوضها كما كل شعوب العالم ضد عدو فتاك غير مرئي، لا تشبه سواها، وتتطلب تحديات إستثنائية لا سيما لجهة القطاعات الإنتاجية والسياحية.  نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر أوضح أن نسبة الإشغال في الفنادق حتى لحظة صدور إقفال كل المؤسسات كانت معدومة وراوحت بين 5 و 7 في المئة، وحاليا تحولت في غالبيتها إلى أماكن حجر صحي وإقامة موقتة للبنانيين العائدين من الخارج بموافقة إداراتها. أضاف الأشقر أن “90 في المئة من الفنادق أقفلت، وأغلقت ممن أبقت أبوابها مفتوحة 95 في المئة من أقسامها وخدماتها، وهي تعمل بالحدّ الأدنى، وخفّضت رواتب الأجراء الحاليّين إلى النصف، أو حتّى ربطتها بنسبة إيرادات الفندق الشهريّة.وتوقّع الاشقر، في حال استمرار الوضع على ما هو عليه من تدهور اقتصادي مصحوب بتفشّي فيروس “كورونا”، أن “لا تصمد أي مؤسّسة سياحيّة لوقت طويل”، لافتًا إلى “صعوبة اتخاذ قرار بإقفال الفنادق، علما  أنّ الاقفال أقل كلفة من التشغيل في ظلّ انعدام الحجوزات، إلّا أنّ الفنادق مرتبطة مع مؤسّسات دوليّة ، وبالتالي فإنّ الإقفال التام لأي فندق قد يؤدّي إلى شطبه عن لائحة المؤسّسات السياحيّة الدوليّة، عدا عن كلفة العودة إلى سوق الحجوزات الدوليّة بعد الخروج منها”.

وبالنسبة للأعباء الماليّة والتزامات الفنادق تجاه المصارف والدولة، فأكّد أنّ “هناك فوضى عارمة في هذا الإطار، وقال: “لا الدولة عم تدفع ولا المصارف عم تدفع ولا القطاع الخاص عم يدفع. خبصة كبيرة وفوضى بالرؤية وبالتنظيم”.

قبل أن يجتاح وباء كورونا العالم وحتى تاريخ صدور قرار وزارة السياحة بإقفال كل المؤسسات السياحية منتصف آذار الماضي كانت نسبة التشغيل في فنادق بيروت تراوح بين 10 و15 في المئة ، في حين قاربت النسبة صفر في المئة خارج بيروت “وهذا طبيعي في ظل انعدام  الإستقرار السياسي والإقتصادي وقال:” نحن في وضع كارثي وكلنا يعلم أن السياحة الخارجية هي العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، وهي المحرّك الأساسي للمطاعم والشقق المفروشة ومكاتب تأجير السيارات والفنادق والأسواق التجارية، ويجب التعويل على القيام بخطّة إنقاذيّة، تعيد أوّلًا الاستقرار السياسي والإقتصادي لا سيما أن هناك خسائر فادحة نتيجة الإقفال الذي فرضه تفشي وباء كورونا. واشار الأشقر إلى أنّ “لا إقفال نهائيًّا بعد في الفنادق، لكنها شبه مقفلة  في غالبيتها، ووصلنا إلى مكان لن نستطيع فيه دفع رواتب الموظّفين”.

 

بيروتي: من النزاع الأخير إلى الموت السريري

17 ألف موظف في القطاع الفندقي تم تسريحهم بحسب الأشقر و160 ألفا مسجلين في الضمان مهددون بلقمة عيشهم عدا عن العاملين في قطاعي المطاعم والفنادق بشكل غير مباشر. المشهد كارثي ولا يحتمل التأجيل بحسب الأمين العام لاتحاد المؤسسات السياحية  جان بيروتي الذي استهل كلامه بالإشارة إلى أن الأزمة لا تتوقف على عدو البشرية الذي يجتاح سكان الكرة الأرضية  إنما ازدادت تفاقما ومأساوية ويشرح:” منذ 5 أعوام والقطاع الفندقي يعاني النزف، وكنا نحاول التقاط أنفاسنا من خلال التعويل على الأسواق الأوروبية في ظل غياب الأسواق العربية”.

أضاف:” مع اندلاع الثورة، المحقّة طبعا، كانت الضربة شبه القاضية على قطاع الفنادق وخصوصا مطاعم الخمسة نجوم لأن روادها كما هو معلوم من الطبقة السياسية والميسورين. لكن رد فعل الثوار أدى إلى تعطّل الحركة فيها. كذلك الحال بالنسبة إلى الحجوزات في الفنادق والإستثمارات. فمن كان يفكر بالإستثمار ألغى الفكرة من أساسها. ولطالما رددنا وكررنا أمام المسؤولين بأنه في حال لم يطرأ تغيير على الوضعين الإقتصادي والسياسي في البلد بعد فترة الأعياد سنكون أمام كارثة ووقعت !”. ولفت بيروتي إلى أن “الخسائر في القطاع السياحي لا يمكن تعويضها في الظروف العادية إلا بعد 6 أشهر. لكن مع تفشي وباء كورونا أيقنا أننا دخلنا مرحلة ما قبل الموت السريري” .

بحسب المنظمة العالمية للسياحة يحتاج لبنان إلى ما يقل عن 5 سنوات للنهوض بالقطاع السياحي. وبغصة كبيرة يوضح بيروتي:” هناك 160 ألف موظف مسجلين في الضمان واستثمارات في القطاع السياحي من النقد الخارجي ( (fresh moneyبقيمة تراوح 6،5 مليار دولار ….كل هذا بات في إطار المجهول. نحن أمام مصيبة وليس أزمة ولا يوجد أفق أو ما يبشر بإمكانية التعامل مع هذا الواقع السوداوي”.

مع تفاقم أزمة وباء كورونا وتفشي تداعياته على خلفية إقفال المؤسسات والمرافق العامة والسياحية كتدابير وقائية  وجهت نقابة المؤسسات السياحية  كتابا الى وزير السياحة رمزي مشرفية حددت فيه مطالب أصحاب المؤسسات الفندقية والتحديات التي يمر بها القطاع في ظل الأزمة الإقتصادية الخطيرة والأزمة العالمية المستجدة مع انتشار وباء كورونا. وطالبوا بالوقوف إلى جانب القطاع الفندقي بأصحابه ومؤسساته بغية الصمود والإستمرار في هذه الفترة العصيبة، سيما وأن كلفة الصمود على أصحاب المؤسسات السياحية باهظة جدا ووضعت النقابة خطة إنقاذية للقطاع السياحي تشمل ما يلي:

–  إعادة برمجة ديون المؤسسات السياحية لدى المصارف أيا تكن لمدى طويل مع إعطائها سنة سماح بفوائد لا تتعدى 5 في المئة، تبدأ عند إنتهاء الحجر الصحي وإنطلاق العجلة السياحية والإقتصادية.

– إعادة برمجة الضرائب والرسوم لمدى طويل مع إلغاء الغرامات وإعطاء فترة سماح لسنة تبدأ عند إنتهاء الحجر الصحي وإنطلاق العجلة السياحية والإقتصادية.

– التقسيط والتساهل في استيفاء مستحقات الكهرباء والمياه ما قبل الحجر الصحي وإعتبارها فترة مجانية خلال مدة الحجر الصحي على غرار سائر الدول.

– التمويل من قبل المصارف، وإعادة تسويق المؤسسات السياحية لإعادة النهوض بالقطاع السياحي الذي خسر الكثير بسبب غياب السياح، والغاء المؤتمرات والمعارض، مما أطاح بالجهود التي عملنا عليها لإعادة لبنان على الخارطة السياحية.

– إصدار مذكرة عفو قضائية موقتة من أحكام المالية والإفلاسات والتعاقد في حال تعثر إحدى المؤسسات السياحية على أن تستمر مفاعيلها حتى استعادة الوطن عافيته.

–  إصدار مذكرة تلزم رواد الفنادق من غير الجنسية اللبنانية الدفع بعملة الدولار الأميركي اسوة بالبلدان المجاورة وعلى المصارف إعتبارها Fresh Money، إذ أن الأزمة الراهنة لصرف الدولار الأميركي في الفنادق كبدتها خسائر فادحة حيث يعمد السائح إلى الدفع على القيمة الرسمية(1515 ليرة)  في حين تشتري الفنادق كل مستلزماتها بالدولار الأميركي.

–  إصدار قانون يسمح  بإفراز وبيع الغرف والأجنحة وأقسام ومطاعم في الفندق على طريقة الCONDO HOTEL، وقد يكون بمثابة عملية إنقاذية لأصحاب الفنادق كي لا يخسروا استثماراتهم ومؤسساتهم.

–  التفاوض مع المؤسسات الدولية والصناديق لتمويل القطاع السياحي في إعادة برمجة الديون، ورصد موازنة لإعادة النهوض بالقطاع السياحي.

مما لا شك فيه ان السعي إلى خلق صناعة سياحة متطورة يتطلب تضافر الجهود كافة، بدءا من تطوير التشريعات الملائمة والتنسيق بين كافة الوزارات وإعتماد استراتيجية وطنية لمواجهة التحديات الراهنة والتنسيق بين الجهود كافة لزيادة الوعي الحكومي والوطني حول أهمية إنقاذ وتطوير الصناعة السياحية في لبنان وجعلها صناعة تنافسية بإمتياز.

حتى الساعة يؤكد بيروتي أن هناك تفهما لدى السياسيين لكن الأولوية تكمن في اتخاذ التدابير الوقائية للمحافظة على حياة الناس وهذا ضروري. لكن ماذا بعد كورونا؟ يجيب:”حتما الوضع سيكون أصعب. فالإستثمارات سترحّل إلى أجل غير مسمّى، وسيكون مصير 160 ألف موظف في القطاع الفندقي والمطاعم مسجلين في الضمان في مهب الريح وما يضاهيهم من العاملين بطريقة غير مباشرة في القطاعين، إضافة إلى المؤسسات التي تعتمد على السياحة منها الشقق المفروشة ومكاتب تأجير السيارات ….كل ذلك سيدخل في متاهات المجهول…وختم بيروتي:” قبل كورونا كانت الدول الأوروبية والعربية تشحِّدنا. اليوم بعد أزمة كورونا صار بدّا مين يشحِّدا. برميل النفط ب 20 دولارمن وين بدّا تدفع المستحقاّت المفروضة عليا …صحيح إنو الحكومة الحالية عم تقوم بالواجب، وبالقدر الموجود بس المفروض نبلش نفتش عن اللقاح لمعالجة وباء الوضع الكارثي اللي ناطرنا بعد كورونا. واول الغيث تبلش تخفف من مصاريفا للحد من الخسائر”. وأكد أن إمكانية نهوض القطاع الفندقي والمطاعم لن يتحقق قبل 3 سنوات والمطلوب أن نضع خلال هذه المدة التي ستكون مثقلة بالخسائر خطة سريعة لاستجلاب أسواق وأولها سوق الإغتراب اللبناني الذي تبين أنه جدير بأن يُعَوّل عليه”.

 

الرامي: الوقاية لفترة خير من قنطار علاج

مع تسجيل ثاني حالة وفاة نتيجة الإصابة بفيروس كورونا أصدر وزير السياحة قرارا في 11 آذار قضى بإقفال المطاعم والمقاهي والملاهي الليلية. وبحسب مصادر وزارة السياحة، فإن قرار إقفال المطاعم أساسي جداً للتصدي لتفشي الوباء، وإن كانت ستكون له تداعيات اقتصادية كبيرة، لافتة إلى أن “المرض في نهاية المطاف أخطر بكثير على اللبنانيين من التدهور الاقتصادي”.

رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان طوني الرامي  وصف قرار الإقفال بـ”الحكيم والوطني ويهدف إلى المحافظة على سمعة القطاع السياحي” ولفت إلى أن الأولوية بالنسبة إلى النقابة هي للأمن الغذائي والوقائي. ولو سلمنا جدلاً بأن موظفاً في إحدى المؤسسات التابعة للنقابة أُصيب بفيروس كورونا، فهذا سيؤدي حتما إلى تعريض كل الموظفين وحتى الزبائن لاحتمال التقاط العدوى بالإضافة إلى ضرب سمعة العلامة التجارية. وختم الرامي:” وقاية القطاع لفترة زمنية قصيرة خيرمن قنطارعلاج طويل”.

الضربة كانت شبه قاضية على قطاع يترنح أساسا تحت أعباء أزمة إقتصادية بحسب نقيب أصحاب المطاعم  طوني الرامي، الذي أكد أن القطاع يمر بأسوأ أيامه من جراء أزمة السيولة والقدرة الشرائية في البلاد، فضلا عن العامل النفسي ومع صدور قرار إغلاق المطاعم بسبب تفشي وباء كورونا على رغم الاحتياطات الصحية والإرشادات التي جرى اتخاذها مع الإبقاء على خدمة التوصيل دخل هذا القطاع دائرة الخطر، خصوصاً أن هذه الأزمة تأتي بعد أزمات متلاحقة عصفت به؛ أخرها تلك التي اندلعت في 17 تشرين الأول الماضي.

150 ألف موظف يعملون في مؤسسات المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان. كلهم دخلوا دائرة الخطر علما أنه “حتى الساعة لا يمكن الجزم بمدة الإقفال أو التداعيات الاقتصادية والمالية المباشرة، إلا إن المؤشرات توحي بإقفال طويل كما يحصل في باقي البلدان حول العالم للتمكن من استيعاب الوباء”.. وكانت النقابة أعلنت في وقت سابق عن طرد 25 ألف موظف من عملهم منذ أيلول الماضي، في وقت يعمل قسم كبيرمن العمال والطلاب بدوام جزئي وبنصف راتب، بسبب تدني أرقام المبيعات بنسبة 75 في المئة.

5 مليارات دولار هي قيمة الأرباح التي تجنيها مؤسسات المطاعم والملاهي والباتيسري سنويا وتساهم بنسبة 10 في المئة من الناتج المحلي. منذ 11 آذار توقفت الحركة في هذا القطاع كما كل عجلة الإقتصاد ليس في لبنان وحسب إنما في كل العالم.

ماذا بعد كورونا في لبنان؟ المشهد الكارثي بدأ من القطاع السياحي. وهذا الشريان الذي يمد قلب الإقتصاد المحلي بالدم دخل النفق المظلم ليعلن وفاته سريرياً بعد الأعلان الرسمي عن انتهاء وباء كورونا. والآتي أعظم.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل