حرب زحلة: من نيسان 1975 الى نيسان 1981

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1707

عندما انفجرت الأحداث في ذاك الثالث عشر من نيسان 1975، لم تكن زحلة بعيدة وفي المقلب الآخر من الوطن. كانت كأنها الطرف المقابل للفتيل السريع الإشتعال. فعندما أطلقت الرصاصة الأولى في عين الرمانة، كانت أصابع كثيرة على الزُنُد في زحلة ومحيطها. فلم يتطلب الأمر أكثر من 24 ساعة، حتى بدأت الأعمال الحربية تؤسس لما هو أبعد من رد فعل أو فعل محدود في المكان والزمان. وإذا كان من يرى في هذا التناغم وحدة عضوية بين أجزاء الوطن بمعنى أن ما يصيب جزءا منه يصيب الكل، إلا أن القراءة الموضوعية للواقع تفيد بأن ما كان يخطط للبنان يومها كان أبعد مما اعتقده البعض في حينه، وطبعا أبعد من بيروت، بدليل جهوزية الفصائل الفلسطينية والمتعاونين معها لإثارة البلبلة والإعتداءات غير المبررة في أكثر من منطقة. ومن الطبيعي أن تكون زحلة أبرز تلك المناطق، نظرا لرمزيتها المسيحية ولصلابة أبنائها وتماسكهم، وأيضا لموقعها الجيو-استراتيجي كخط دفاع أول بوجه أطماع نظام الأسد، وهو ما أكدته مجريات الأحداث في ما بعد. وإذا كانت حرب زحلة عام 1981 هي الذروة، إلا أن يوميات الأحداث من نيسان إلى نيسان بفارق 6 سنوات، كانت حافلة بالإعتداءات والمعارك والبطولات التي لم تكن أقل شأنا مما جرى في ما بعد. فما هي أبرز تلك المحطات؟

عندما يُحكى عن “معركة زحلة” يتبادر إلى الذهن تلك التي حصلت في 2 نيسان 1981. ربما لأهميتها ومفصليتها ميدانيا واستراتيجيا وسياسيا ومعنويا… فتلك المعركة رسمت خطوطا جديدة وبدّلت  مواقع ومخططات. لكن في الواقع كان لزحلة عند كل منعطف في الأحداث معركة، منذ 14 نيسان 1975. وأهمية تلك السلسلة الطويلة من المعارك والإعتداءات، في أنها كانت مؤشرا على مسار الأحداث ونوايا النظام السوري في التوغل إلى الداخل اللبناني والسيطرة على القرار والشعب والأرض. وهذا ما شكلت زحلة عقبة في وجه تنفيذه، فاقتضى العمل على تطويعها. ولأنها لم تركع ولم تسهِّل إمرار المخططات الخبيثة، كانت كل تلك المعارك والتي بلغت ذروتها ولأسباب عدة، محلية وإقليمية، في 2 نيسان 1981.

 

المسار والمؤشر…

بعد 24 ساعة على حادثة عين الرمانة، أي في ليل 14 – 15 نيسان 1975 تعرّض بيت الكتائب في زحلة لهجوم بقذائف آر بي جي ورشقات من أسلحة ثقيلة من مسلحين لم تعرف هوياتهم. وقد رد على الهجوم مسلحون كانوا يحرسون بيت الكتائب والمناطق المحيطة به، وقد أسفر الهجوم عن مقتل شخص وجرح آخر. وما لبث أن تواصل إطلاق الرصاص بكثافة في اتجاه بيت الكتائب على البولفار من رشاشات ثقيلة، وعقب ذلك إنفجاران ناتجان عن قذيفتي آر بي جي أصابت إحداهما محلا تجاريا. وهكذا تلاحقت الإعتداءات وتوالى سقوط القتلى والجرحى. ولم يؤدِّ تدخل قوى الأمن التي كانت لا تزال تعمل بشكل محدود في المدينة إلى منع إستمرار المناوشات التي كانت تخفت ثم ما تلبث أن تعود. وهذا ما استدعى “عقد إجتماع في مكتب محافظ البقاع جورج ساروفيم، ضم رؤساء الطوائف الروحية والشخصيات السياسية والعسكرية والإجتماعية، حيث تدارس المجتمعون الأوضاع الراهنة ووسائل العمل على إطفاء نار الفتنة حفاظا على الوحدة الوطنية” كما يذكر الكاتب أنطوان خويري في كتابه “زحلة ملحمة صمود وبطولة”.

وفي 11 حزيران 1975 لاحظ الزحليون حملة تحريض على إثارة الخواطر والفتن بين أبناء الوطن الواحد. وما جاء في جريدة “الحياة” البيروتية العدد 9216 تحت عنوان “توتر يهدد بالإنفجار في زحلة وجوارها”، كان دليلا على أن شيئا ما كان يدبر لزحلة والزحليين. وكتبت جريدة “الحياة” يومها: “عقدت في محافظة البقاع إجتماعات سرّية برئاسة المحافظ السيد جورج ساروفيم وبعض الهيئات الزحلية ومندوبين عن حزب الكتائب اللبنانية والمقاومة الفلسطينية…”

ويضيف خويري في كتابه: “وفي نهاية شهر حزيران توترت الأجواء الأمنية في منطقة زحلة وجوارها، بالرغم من المساعي التي قامت بها لجنة التهدئة المؤلفة من بعض الشخصيات الروحية والسياسية، وجولة الإمام موسى الصدر البقاعية المتعددة الأهداف والغايات… وزيارته دار المطرانية الكاثوليكية في زحلة حيث تبودلت كلمات المحبة بين سيادة المطران بسّول والإمام الصدر، حول الوحدة الوطنية والتعايش الحقيقي بين مختلف الطوائف في البقاع…”لكن هذا لم يمنع وقوع إشتباكات مسلحة بين بعض الزحليين وعدد من الغرباء الذين تسللوا إلى المدينة بقصد البلبلة والتخريب، وسقوط عدد من القتلى والجرحى. كما نسفت معامل عديدة كان أولها معمل البصل للنائب الياس الهراوي، وقد احتجز شخصيا في المعمل بعد أن أصيب حارس المعمل من قبل المسلحين المهاجمين”.

وفي 30 حزيران طاف مسلحون من الكرك والمعلقة على المتاجر في منطقتهم وطلبوا من أصحابها إقفالها تضامنا مع الدعوة إلى الإضراب التي أطلقتها “الأحزاب والقوى التقدمية” ثم توجهوا إلى حي الزراعنة وحاولوا إقفال المحلات بالقوة فاصطدموا ببعض المسلحين هناك”. وتسلل مسلحون من الكرك والمعلقة إلى التلال الشرقية من زحلة واشتبكوا مع مسلحين هناك واستمر تبادل النار طوال النهار. وفي سعدنايل أقام بعض المسلحين حواجز على الطريق لتفتيش المارة والسيارات. وفي بر الياس أصيب مواطن من جراء إطلاق النار، وما لبثت أن تمددت الإشتباكات حيث سقط عدد من القتلى والجرحى.

وفي شهر تموز 1975 كانت ولادة حكومة رشيد كرامي بعد ثلاثة أشهر من العنف ووسط أزمة سياسية مستعصية أغرقت البلاد في حمّام مرعب من الدم، وأسقطت حكومتين: واحدة مدنيّة، وأخرى عسكرية… هذه الحكومة جاءت كمحاولة لوضع حدّ للإنفلات اللّاطبيعي الذي ساد لبنان خلال الأزمة… ولكن المحاولة لم تنجح ودخلت الدولة في دوّامة الخلافات والصراعات السياسية والعسكرية…

يوم الأحد 24 آب كان “وادي العرائش” أو “وادي البردوني” في زحلة، كما في كل أحد، مزدحما بالمتنزهين، وقد توزّعوا حول الموائد في المقاهي الواقعة على ضفتي البردوني… وفجأة، وكما يحدث في أفلام الإثارة، لعلع الرصاص، وفي أقلّ من خمس دقائق كان النّاس يتزاحمون في شبه جنون، متّجهين إلى خارج الوادي. وفي 25 آب كاد يتحول هذا الحادث إلى فتنة جديدة وأصبح في مدلوله الآخر شرارة سياسيّة خطرة أشبه بشرارة صيدا التي أودت بحياة النائب معروف سعد… أو شرارة عين الرمّانة التي سقط في أعقابها أكثر من 1500 قتيل.”… وصدر عن التجمع الزحلي العام بيان – إنذار للدولة “يستمهلها حتى الساعة الحادية عشرة من صباح 26 آب كموعد أخير لإطلاق سراح ثلاثة موقوفين زحليين، وإلا فإن الإستمرار في الإحتجاز معناه العصيان المدني واحتلال الدوائر الرسمية”. وفي 27 آب إنفجر الوضع في حوش الأمراء، ثم ما لبثت أن امتدت الإشتباكات المسلحة إلى المنطقة الصناعية المجاورة لها.

ولدى إبلاغ المسؤولين في بيروت تطورات الحوادث في زحلة، توجه إلى البقاع المدير العام لقوى الأمن الداخلي السيد هشام الشعار يرافقه قائد الدرك العميد جورج معلوف، والتقيا في شتورة المحافظ هنري لحود… وتقرر إرسال قوة كبيرة من رجال الأمن إلى منطقة الإشتباكات للسيطرة على الوضع ومنع استفحاله. وعند منتصف الليل اشتد إطلاق الرصاص في اتجاه المدينة الصناعية. وأخذت الصواريخ تطلق وأشعلت الحرائق ما استدعى تدخل الجيش لإطفاء الحريق. ثم بدأت عمليات نسف وحرق شاملة للصيدليات ومحطات البنزين ومزارع الدجاج، والمصانع والآليات الزراعية ومضخات المياه والمحلات التجارية والسيارات…

في 29 آب، تدهور الوضع في زحلة أكثر ممّا كان متوقَّعاً ولم يفسح المسلحون في المجال للتفاؤل الذي رافق المساعي الرسمية والخاصة التي كانت تبذل لحصر الإحتكاكات في النطاق الذي يمكّن السلطة من معالجتها. وقد توالت منذ الفجر الإنفجارات وأعمال القنص. وارتفع عدد القتلى الى 103، فيما عزّزت السلطة دورياتها ونقاط التفتيش بين شتورا وزحلة. وفي اليوم التالي وصل الى شتورا الرئيس كميل شمعون الذي كان وزيراً للداخلية، ورأس إجتماعاً لمجلس الأمن الفرعي. لكن على الرغم من كل مساعي التهدئة لم تعرف منطقة زحلة الهدوء، إذ وجدت في مناطق مختلفة منها 11 جثّة جديدة، بينها ثلاث لأبناء صاحب المطحنة المخطوفين وقد ألقيت في المطحنة ليلاً بعد الإجهاز عليها، فيما بقي الأب والإبن الرابع، وجوزيف ايوب موظف الهاتف في زحلة مجهولي المصير. وازدادت عمليات الخطف والترويع وإلقاء الرصاص والمتفجرات. ما يؤكد وجود خطة لتوتير الوضع واستغلاله في ما بعد. وهو ما عادت وأظهرته الأحداث على مدى السنوات اللاحقة.

وفي 17 تشرين الأول شهدت منطقة زحلة يوماً عاصفاً، اذ حصل فيها خطف وقتل وقصف ونسف. وفي 23منه عادت موجة الرعب والقتل والخطف الى زحلة فسقط قتيل وأصيب اشخاص بجروح وأحرق منزل النائب جوزف السكاف في تعلبايا. وفي 25 تشرين الأول كان التوتّر في البقاع وزحلة شديداً، حيث سقط ثلاثة قتلى، وانطلقت مسيرة تقدّمها الشيوخ والكهنة من المعلقة حتى الكرك. وفي 30 تشرين الأول تدهور الوضع فجأة في زحلة وبدأت معركة قوية إثر سقوط قذائف حارقة في المدينة.

وما لبثت أن عادت الإشتباكات في أول كانون الأول، وتدخّل الجيش لإسكات النيران بعد تراشق كثيف بين المعلّقة وحوش الأمراء، حيث تجمع الغرباء والمرتزقة للإستمرار في الإعتداءات على الآمنين، واجتاحت المنطقة موجة من العنف ذهبت بحياة 7 أبرياء من المخطوفين. وفي الثاني من كانون الأول تصاعد القتال في زحلة ووقع اشتباك بين الجيش ومسلحين أسفر عن مقتل جنديين وجرح ثلاثة. في الوقت نفسه إستمر القصف في منطقة سعدنايل. وفي 7 كانون الأول إستمرت عمليات القنص ودارت إشتباكات عنيفة وقع خلالها ستة جرحى بحال الخطر، فتوتّر الجو وتوسّعت الإشتباكات. وفي 13الشهر شهدت زحلة موجة ثأر جديدة سقط في خلالها 27 شخصاً بينما كان المسلّحون الغرباء يقتحمون المنازل ويعترضون المارّة والسيارات.

وفي 14 كانون الأول وبالرغم من إعلان بنود الإتفاق بين الجانبين اللبناني والفلسطيني على وقف شامل للنار… فقد إستمرّت الاشتباكات في زحلة والمعلّقة. وفي 21منه تدهور الوضع مجدداً وجرى قصف متبادل مع الكرك وسعدنايل. وفي اليوم التالي تعرّضت زحلة لهجوم واسع بالمدفعية والصواريخ من ستة مواقع في السهل والتلال. وقُدّر ما سقط من قذائف في شوارع المدينة واحيائها بأكثر من 500 قذيفة، وقد ردّت “القوّات الزحليّة” على مصادر النار. وقدّر مصدر أمني عدد الضحايا بـ30 كما قدّر عدد الجرحى بأكثر من 40. (أيضا بحسب الكاتب أنطوان خويري).

ولم تنتهِ الأحداث مع انتهاء العام 1975 بل استمرت وبوتيرة أعنف أحيانا. ويذكر الكاتب مسعود الخوند في موسوعته “الحرب اللبنانية”، أنه “مع بداية العام 1976 عادت زحلة لتشهد تصعيدا مستمرا من فريق الأحزاب والمنظمات اليسارية والفلسطينية، وخصوصا بعد سقوط مخيم الضبية ومحاصرة مخيم تل الزعتر. فتجدد التراشق على محاور حوش الأمراء وسقطت قذائف عدة في المعلقة والحمّار والميدان، أوقعت عددا من الضحايا وخسائر مادية. وفي 14 نيسان من العام نفسه وصلت قوّة عسكرية سورية إلى ضهور زحلة. واتجهت نحو قاعدة تمثال السيدة… وأفادت تقارير أمنية يومها بأن قوات سورية أخرى قد وصلت إلى محلة المصنع ثم إلى شتورة وأتخذت لها مواقع تكتيكية.

وفي 21 نيسان، وبعد أن كانت قد شهدت منطقة زحلة والبقاع منذ أواخر كانون الثاني هدوءا نسبياً، في ظل توتر أمني حذر كان يخيم على مناطق التماس، عادت واشتعلت جبهة زحلة في شكل مفاجئ، تاركة وراءها عددا كبيرا من القتلى والجرحى ومزيدا من الخراب والدمار. وذلك إثر تعرّض مزارعين لرشقات رشاشة من جهة مقابلة فردت عليهم القوات الزحلية بالنار لتأمين حماية وتغطية انسحاب المزارعين. وفي 4 أيار، وبعد اتفاق على وقف النار بين الفرقاء كافة، قامت عناصر من الكرك بقصف الأماكن الآهلة في زحلة بهواوين متوسطة ورشقات رشاشة. وفي 10 أيار تعرّض مخفر الشرطة في ضهور زحلة لهجوم مسلح صدته القوات الزحلية. وفي 12 منه ما لبث أن انفجر الوضع بقوة على محاور زحلة كافة بسبب الإعتداءات المكثفة التي قامت بها القوات التي وصفت بالمخربة. وصارت تسمع أصداء انفجارات متلاحقة وكثيفة. وفي 29 أيار كان هناك في زحلة “سبت أسود”، أسفر عن سقوط 12 قتيلا و14 جريحا، قابله سقوط 26 قتيلا ونحو 70 جريحا في صفوف المعتدين الغرباء.

 

فصل جديد في حرب طويلة

في شهر حزيران من العام 1976، بدأ الفصل الثالث من الدراما اللبنانية وبدأت الأزمة تتجه نحو التعريب والتدويل ودخلت القوات السورية إلى لبنان لـ”توفير الأمن ومنع التقسيم”. كما تم التسويق يومها… وأرسل رئيس الجمهورية سليمان فرنجية شكوى إلى الجامعة العربية من التصعيد الفلسطيني والتدخل السوري، كما بعث برسالة إلى الملوك والرؤساء العرب.وفي 20 آب زار الشيخ بشير الجميل زحلة واجتمع الى الكتائبيين الزحليين وإلى المقاتلين. ودار في الإجتماع بحث حول الوضع العسكري العام في زحلة، ومستقبلها. وكان ذلك بالحقيقة منطلقا لمرحلة مختلفة من الأحداث وخلفياتها وكيفية التعاطي معها.

ويذكر الخوند أنه “منذ هدنة أول نيسان 1976 والعمليات العسكرية ضيقة النطاق وموقوفة على قصف مدفعي متبادل ومتقطّع بين أحياء العاصمة… لكن المنحى الدراماتيكي والخطر أتى هذه المرّة من المناطق القريبة من الحدود اللبنانية – السورية: من القبيات وعندقت (البلدتان المسيحيتان) في عكار وزحلة في البقاع. فمنذ 27 أيار أخذت عناصر من جيش لبنان العربي تهاجم القبيات وعندقت، وسارعت منظمة التحرير الفلسطينية ومعها اليسار اللبناني إلى اعتبار هذه العمليات ذرائع للتدخل السوري (تصريح أبو إياد في “النهار” 30 أيار 1976). الشكوك نفسها حامت حول مجرى أحداث مدينة زحلة. ففي 30 أيار انسحب جيش التحرير الفلسطيني، الخاضع للقيادة السورية من التلال المحيطة بالمدينة، فسارعت القوات المسيحية في المدينة وانتشرت على هذه التلال، ونشبت الإشتباكات هناك. وكان القصف يطال إحياء المدينة. وفي ليل 31 أيار – أول حزيران، دخل ألف جندي سوري منطقة عكار من مركز العبودية الحدودي بهدف “وضع حد للمذبحة في القبيات”، كما قالت دمشق. وخلال نهار أول حزيران دخل أربعة آلاف آخرين من الكتيبة المدرّعة السورية الثالثة إلى البقاع من مركز المصنع لـ”فك الحصار عن زحلة”… وأكمل الجيش السوري دخوله في عمق الأراضي اللبنانية وانطلاقا من البقاع على محورين: باتجاه المديرج الواقعة في وسط الطريق الدولية بيروت – دمشق، وباتجاه جزين المشرفة على صيدا”.

وبعد إنتهاء العام 1976 وويلاته الكثيرة والدمار الذي عم مختلف المناطق اللبنانية، أطل العام 1977 والجميع ينتظر أنه سيكون عام السلام في لبنان والشرق الأوسط، متفائلين بإمكانات حل الأزمة في ضوء المعطيات المستجدة… لكن هذا الأمل لم يتحقق وعادت الإحداث إلى الإشتعال.

وبعد فترة هدوء نسبي إستمرت لأكثر من سنتين، وإعادة كل فريق حساباته للمرحة التالية، إنتقل الوضع إلى ستاتيكو جديد، إنتقل معه الوضع من إشتباكات بين معتدين ومدافعين عن زحلة، إلى حسابات إقليمية ودولية بأبعاد مختلفة. ففي 11 حزيران 1980 توتر الوضع الأمني في زحلة من جديد، وشهدت شوارع المدينة وأحياؤها الداخلية ظهورا مسلحا رافقه إطلاق نار غزير وتعرضت السرايا لهجوم مسلح أفرج من خلاله عن أحد الموقوفين بالقوة. وفي 17 كانون الأول تدهور الوضع الأمني في حوش الأمراء ووقعت إشتباكات متقطعة أدت إلى سقوط قتيل وأربعة جرحى. وفي 21 كانون الأول انفجر الوضع المتوتر الذي سيطر على زحلة في الأيام الأخيرة بسبب الإشتباكات التي حصلت بين “القوات اللبنانية” وأنصار “الحنش” على نطاق واسع. وشهدت المدينة اشتباكات دامية بين قوة الردع العربية والقوات اللبنانية استعملت فيها أسلحة ثقيلة وقذائف مدفعية وصاروخية. وأهمية هذه الأحداث أنها نقلت الصراع من فئوي داخلي إلى صراع نفوذ بين القوى المسيحية والقوات السورية التي أظهرت أكثر فأكثر نواياها تجاه السيطرة على لبنان وإزالة العقبة الأبرز أمام هذا المشروع المتمثلة بصمود مدينة زحلة.

وعندما باتت مدينة زحلة مطوقة حيث تمترس السوريون عند مشارفها، وبينما استمر الأهالي في تطويق مركز المخابرات في محلة السنترال… كان السؤال المطروح: لماذا جرى إفتعال هذه الأحداث في زحلة بالذات؟ وثمّة من اعتبر يومها أن ما جرى يمكن أن يكون مجرد خطة سورية تستهدف اللبنانيين والفلسطينيين وترمي إلى خلق وقائع جديدة على الساحة اللبنانية، يمكن أن تواجه بها دمشق الإدارة الأميركية الجديدة من زاوية التأكيد بأنها تمسك بزمام الورقتين اللبنانية والفلسطينية. ففي 23 كانون الأول عاد “الطابور الخامس” ليفجر من جديد الوضع الأمني في زحلة دافعا قوات الردع إلى قصف المدينة مجددا، حيث عاش الزحليون يوما آخر من الرعب. هذا “الطابور الخامس” كان السوريون يلقون عليه المسؤولية ويشجبون أعماله في العلن وفي بيانات قوات الردع، ويستخدمونه سرا لمآربهم ولتشديد سيطرتهم على المدينة. (كما يذكر خويري)

وفي 24 كانون الاول 1980 خيّم الظلام على مدينة زحلة، ونام أطفالها على خوف الأيام الماضية وتعب لا تحتمله أجسامهم الطرية، فيما سهر الكبار في انتظار قداس منتصف الليل، علّ في الصلاة الى جانب التعزية تخفيف من ألم أحداث مرة. ومع الكبار سهر لبنان الحرّ في الوطن ودنيا الإغتراب، إلى جانب مناصرين لقضيته، التي باتت قضية حياة أو موت. وعلى رغم هدوء نسبي ساد المدينة، وحذر ظلّ مسيطراً عليها، دافعاً عدداً قليلا من التجار الى فتح محلاتهم، كان الهاجس الأكبر للأهالي والقيادات الرسمية والروحية والسياسية، إنجاح خطوات فكّ الحصار عن زحلة نهائياً وفي شكل تام وآمن، وإيجاد مخرج لحكاية الطابور الخامس ووضع حدّ لممارستها.

في العام 1981 بلغ التصعيد العسكري ذروته القصوى. وفي 6 آذار بدأت طلائع الإنفجار المرتقب في زحلة والتي أودت أحداثها بحياة أربعة أبرياء وأصابت ثلاثين شخصاً بجروح بليغة وخطرة، إضافة الى أضرار جسيمة في السيارات والمنازل والمكاتب. وفي 1 نيسان إنفجر الوضع الأمني في زحلة من جديد. وتجدّدت الاشتباكات بين الأهالي وجيش الإحتلال السوري. وتعرّضت الأحياء لقصف مدفعي عزل المدينة مجدّداً. واستمر إطلاق النار حتى ساعة متقدّمة من الليل موقعا عددا غير قليل من الجرحى والمخطوفين، وناشرا القلق في المدينة التي كانت أفاقت على نهار شبه عادي.

قاومت زحلة باللحم الحي ودافعت “القوات اللبنانية” فيها ومنها عن كل لبنان. كان واضحا أن المخطط كبير وأن أدوات الصمود ضئيلة لكن الإيمان لا يقارن. وبات ثابتا في ما بعد أن كل ما كان يحصل من اعتداءات من مجهولين – معلومين، كا في سياق مخطط لتركيع المدينة وتسهيل قضم المناطق واحدة تلو الأخرى. لكن الطريق الجبلية الضيقة التي سلكها بضع أبطال من بيروت إلى زحلة، كانت قادرة على قطع طريق الهيمنة من دمشق إلى بيروت… وانتصر الحق، وإن كان ثمّة من حاول تشويهه بعد حين.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل