ليس عيباً أن يقول الإنسان لا أعرف، بل العيب وكل العيب أن يقول إنّه يعرف وفي الحقيقة هو لا يعرف.
ليس مطلوباً من وزراء حكومة الإنقاذ، أن يكونوا على معرفة بكل شيء، بالرغم من أنّ اسمهم والحالة التي استدعت جلبهم وزراء انهم خبراء كل في اختصاصه أو في وزارته.
ولكن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر، إذ تبيّـن أنّ بعض الوزراء بحاجة ماسة الى استشاريين قانونيين، بالرغم من أنّ وزيرة العدل السيدة ماري كلود نجم، تفهم بالقضاء، ولكن تبيّـن أنّ لديها نقصاً في الخبرة، أمّا الكارثة الثانية، فهي وزيرة الدفاع التي يبدو، أنها ليس لها علاقة بكل ما يجري حولها، وهي فعلاً غائبة عن مجريات الأمور.
تبدأ القصة عند وزيرة العدل التي كانت تقول قبل إحالة مرسوم التعيينات القضائية، إنّها تنتظر المرسوم الذي سيصدر من مجلس القضاء الأعلى، كي تحيله الى مجلس الوزراء، لكن وخلال فترة الإنتظار استدعيت الى القصر الجمهوري وطلب منها -من السلطات العليا – أن لا توافق على المرسوم، وهنا ولكي تحمي نفسها أعلنت أنها ليست صندوق بريد، وأنها سوف تدرس وتنظر بالأسماء وسيكون لها القرار.
وصلت التعيينات لمعالي وزيرة العدل ماري كلود نجم، وهنا بدأت المشكلة إذ إحتارت بين الموافقة عليها كما جاءت، أم ماذا تفعل؟ لذلك وافقت على التعيينات القضائية، وأحالت التعيينات، في المحكمة العسكرية الى وزيرة الدفاع زينة عكر.
المصيبة الكبرى أو «الفضيحة» أنّ الوزيرة عكر ليست عندها أي معرفة فماذا تفعل؟ خصوصاً أنّ المطلوب منها كان الرفض، والحجّة لعدم توقيع فخامة الرئيس على المرسوم… هنا جاء من ينبّه الوزيرة أنّ عليها أن تلجأ الى استشارة وزارة العدل، وتحديداً الهيئة الإستشارية العليا، فماذا كان الجواب؟
الجواب أنه يحصر بمجلس القضاء الأعلى صلاحية وضع مشروع المناقلات والإلحاقات والإنتدابات القضائية وواجب على المجلس عرض المشروع في مرحلة تالية على وزير العدل، للموافقة عليه من دون أي جهة أخرى، وجاء نص المادة (١٣٦) من القانون ذاته: يلغى صراحة وبشكل إلزامي جميع الأحكام القانونية المخالفة وغير المتوافقة مع، أحكام المرسوم الإشتراعي، الذي صدر بموجبه ذلك القانون، وبما أنّ المشروع يكون بناء على ما تقدّم، فقد أقرّ بالمادة (٥) بشكل دقيق ومفصّل وصريح، بالنسبة لتعيين جميع القضاة العدليين وانتهى بذلك الى إلغاء كل آلية أخرى مخالفة تتعلق بالتشكيلات القضائية للقضاة العدليين سواء كانوا في المحاكم العدلية أو سواها.
لذلك، فإنّ الهيئة الإستشارية العليا ترى أنّه لم يعد منذ تعديل نص المادة (٥) من قانون القضاء العدلي لوزير الدفاع، أي دور يتعلق بمناقلات القضاة العدليين وإلحاقاتهم وانتداباتهم في المحكمة العسكرية.
وتعليقاً على بدعة تجزئة مرسوم المناقلات القضائية الى مرسومين وربما الى أكثر طالما أنّ هذا الزمن هو زمن البِدَع والهرطقات، نقول: إنّ المادة (١٣) من قانون القضاء العسكري التي كنت تعطي لوزيري الدفاع والعدل حق مشاركة مجلس القضاء الأعلى في اختيار القضاة لا سيما قضاة المحكمة العسكرية أصبحت ملغاة بفعل المادة (١٣٦) من قانون التنظيم القضائي التي نزعت من الوزيرين المذكورين صلاحية كل منهما في ما خصه.
يستدل على ذلك من أمرين: الأول هو صراحة المادة (١٣٦).. والثاني لأنّ قانون التنظيم القضائي هو أحدث عهداً من قانون القضاء العسكري. لقد تعلمنا ونعلم أنّ القانون الجديد يلغي القانون الذي سبقه ويكون هذا القانون الجديد الواجب التطبيق.
هذه هي أبجدية قواعد التفسير التي يتعلمها طلاب كلية الحقوق منذ السنة الأولى.
إنّ ما يحصل حالياً لم يعد يشكل إغتصاباً لاستقلال القضاء وحسب، بل أصبح يشكل أيضاً إهداراً فاضحاً لقواعد قانونية مكرّسة منذ القدم.
كفى. عودوا الى رشدكم. عيب!