
لا تفّوت السلطة السياسية فرصة لتستعرض ما قامت به من فظاعات بحقّ الشعب اللبناني، تاركة الحكومة لتعمل في واديها السحيق وهي تصول وتجول على إيقاع الثلاثي المرح فيها في مكان مختلف تمامًا. ولا يبدو أنّه ستستجيب إلى مطالب النّاس إذ لا تزال في طور البحث عن كيفيّة استخدام مقدّرات الودعاء،ليسترجع ما نُهِبَ من ودائع الوطن من قبل الفحشاء الذين أخرجتهم ككلّ مرّة أبطالا على حساب النّاس. فهل يستطيع لبنان،الدّولة والمواطن، أن يتحمّل المزيد من الانتظار؟
من المؤكّد أنّ هذه الحكومة لا تتحمّل الوضع الذي آلت إليه الأمور اقتصادياً في لبنان بالكامل. لكنّها أتت بفضل سلطة سياسيّة لتتابع العمل بالنهج نفسه، لكأنّ شيئًا لم يتغيّر في لبنان بعد 17 تشرين. يسعى هذا الثلاثي إلى حجر هذه الحكومة تحت هول الأزمة الاقتصاديّة، كما كان يفرض شروطه دومًا على سابقاتها. على أمل ألا يسترجع عادته في التّعطيل.
والأزمات تتزايد عوض أن تتقلّص. وآخرها أزمة وزارة الاقتصاد والأفران. والأزمة التي نتجت عن تعميم مصرف لبنان الأخير الذي لا يتيح بموجبه سحب التحاويل من الخارج، عبر مؤسسات غير مصرفيّة، إلا بالليرة اللبنانيّة، فيما العملة الصعبة الواردة من الخارج عبر هذه المؤسسات، يتمّ بيعها إلى وحدة النقد الأجنبي في مصرف لبنان. ومن البديهي أنّ سعر البيع هو السعر الرّسمي للصرف وليس سعر السّوق.
والسلطة لا تزال كالنعامة، رأسها في التراب لا تريد أن ترى. واقتصرت رؤيتها على متابعة ملفّات التّعيينات لتقوّي منسوبها في القوة التي ستكتسبها عن رضى أوليائها ما وراء الحدود والبحار بعد تعيين أزلامهم. والمفارقة برزت في فرض هذا الثلاثي قاعدته في الاجتراحات التنفيذيّة لاستصدار القوانين التي لو أقرّتها الحكومة، تبقى في حكم غير الدّستوريّة، وبالتّالي تصبح تحت مجهر المعترضين الذين سيمتلكون قوّة الطّعن، هذا إذا كان الرّكون إلى القانون ينفع بعد هذه التّجاوزات.
وما اعتقاد السلطة السياسيّة الحاكمة بالنجاح اليوم إلا لأنها ظنّت باعتمادها هذه الطريقة تستطيع إعطاء جرعات مورفين لبعض المعترضين، عساهم يرضون عن الأداء الحكومي فيصمتون إلى الأبد. وكذلك ظنّا منها بأنّها تؤمّن مستلزمات صمود، تسمح للمواطن بتقديم المزيد من التنازلات لها.
وفوق ذلك كلّه، أغفلت هذه السلطة أنّ النّاس قد خسروا كلّ شيء، ما تركهم بحالة لا مبالاة في المزيد من الخسائر. فالميت لا يملك أيّ شيء ليخسره بعد أن خسر حياته. من هنا سيكون المشهد السياسي القادم أمام حالتين لا ثالثة لهما:
– الحالة الأولى: سيعود النّاس إلى ثورتهم غير آبهين بتعسّف السلطة السياسيّة التي تدير البلد تجاههم. وما لم يُستطاع تحقيقه في 17 تشرين سيحقّق في القريب العاجل.
– الحالة الثانية: وتكمن في الالتفاف على غضب النّاس قبل أن ينفجر؛ وذلك من خلال خضّة سياسيّة تقدم عليها هذه السلطة. قد تكون حكومة من شكل جديد. سواء أكانت عسكريّة أم مصغّرة جدًّا تقتصر على خمسة وزراء كحدّ أقصى لمواجهة المرحلة القادمة. وذلك بعدما أيقنت أنّ الحكومة التي أتت بها لم تحقّق المنشود؛ لا سيّما في أعين المجتمع الدّولي.
وفي كلتا الحالتين، سينتصر لبنان. لكن الخوف الوحيد هو أن تبقي هذه السلطة نفسها محجورة سياسياً، فلا تتجاوب مع إرادة النّاس وتتابع قمعها لهم، ولا تقدّم لأهلها وناسها أيّ حلّ سياسي. فهل سنكون عندها أمام حالة ثالثة يتدخّل فيها المجتمع الدّولي ليقول كلمته بحزم؟