هل يُسقط الكبار هيمنة الدولار؟

 

بموازاة الحرب العالمية الصحية لمكافحة انتشار وباء كورونا، وبغض النظر عن الحروب الاقتصادية والمالية والعسكرية والامنية التي تدور في العالم، خصوصاً في الشرق الاوسط وآسيا، ثمة حرب عالمية أخرى خفية تدور رحاها بين القوى العظمى ومسرحها الدولار الاميركي كعملة الاقتصاد العالمي الاولى.

فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والدولار الاميركي يهيمن على اقتصاديات الدول وتبادلاتها التجارية وموازناتها، ما جعل الولايات المتحدة تتمتع بنفوذ عالمي زاد عليها تقدمها التكنولوجي المطرد. وأصبح الدولار عملة الاحتياط الاولى في العالم بنسبة 60% من احتياطات النقد العالمي في البنوك المركزية. وبعد الدولار تربع اليورو (العملة الاوروبية) في المرتبة الثانية من احتياطي العالم بنسبة 20%.

واليوم نجد، وفقاً لكافة الاحصاءات الرسمية، ان كتلة نقدية ضخمة بالدولار يتم التداول بها خارج الولايات المتحدة بما يقارب مبلغ 580 مليارا، فيما ثلث الناتج المحلي في العالم يتأتى من دول ترتبط انظمتها النقدية بالدولار الأميركي، ويبلغ حجم ديون العالم بالدولار 40%.

تغلغُل الدولار في اقتصاديات العالم منح الولايات المتحدة وصناع القرار المالي والنقدي الاميركيين امتيازات وقوة سيطرة عالمية جعلتهم ذات تأثير استثنائي على مختلف انظمة العالم الاقتصادية والنقدية ومنها لبنان الذي اسس اقتصاده الحر الرأسمالي على الدولرة.

الا ان هذه القوة المالية والنقدية والاقتصادية للأميركيين في العالم، لم تخل من مطبات لا بل من مخاطر وصلت الى حد تفكير العديد من الدول الكبرى والمتوسطة في التحرر من هيمنة الدولار على اقتصاداتها وبالتالي على قراراتها السياسية والاستراتيجية.

اولا: مع وصول الرئيس دونالد ترمب الى البيت الأبيض، استخدمت واشنطن سلطتها النقدية تجاه الدول الاخرى ولا سيما المنافسة للولايات المتحدة الى اقصى حدود التأثير، إذ تحول الدولار الى اداة قمع او سوط لضرب اقتصاديات دول كبرى كالصين وروسيا وإيران والهند وكوريا الشمالية وسواها، ما دفع تلك الدول الى التفكير جديا بالتحرر من هيمنة الدولار على انظمتها الوطنية.

ومن الامثلة على ازدياد سلطة الدولار السياسية والاستراتيجية للأميركيين، انه في العام 2014 وبعد ضم روسيا جزيرة القرم، قررت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية ومالية قاسية تسببت في اضعاف الاقتصاد الروسي الى الان. فتولد عند الروس شعور بوجوب الانتقام من القوة الاميركية المالية الفتاكة، وهذا ما قد يفسر في احدى اوجه الانتقام سعي روسيا، أخيراً، ومن ضمن مجموعة العشرين واوبيك بلاس، الى ضرب شركات انتاج النفط الاميركي الصخري من خلال العمل على خفض سعر البرميل الى ما هو اقل من 20 $ للبرميل الواحد لإفلاس تلك الشركات وإلحاق الضرر الكبير بالاقتصاد الاميركي.

مثال اخر، في العام 2018، بدأت روسيا استراتيجية طويلة الاجل محورها الغاء الدولار الاميركي في تجارتها الدولية او حتى المعاملات التجارية الداخلية للتحايل على العقوبات الأميركية، فأقدم المركزي الروسي بين عامي 2013 و2018 على خفض حصة الدولار من احتياطيات النقد الاجنبي من 40% الى 24%. واتجهت الشركات الروسية العملاقة مثال (غازبروم، وروزنفت وسواها) الى استبدال الدولار باليورو والروبل الروسي في كافة تعاملاتها وتبادلاتها التجارية والانتاجية من النفط والغاز.

واتجهت موسكو الى التعاقد والتحالف واقامة علاقات اقتصادية مع كافة الدول التي ترفض مثلها هيمنة الدولار. فسلاح الدولار الذي لطالما استخدمته واشنطن في علاقاتها الدولية بدأ ينقلب عليها.

ثانيا: الدولة العظمى الثانية التي اصطدمت بالدولار الأميركي، هي الصين التي لطالما ارادت منافسة الاميركيين في الزعامة الاقتصادية والتكنولوجية على العالم، بدأت تتقرب من الدول الناقمة على الدولار الاميركي لدفع عملتها (اليوان) على ساحة التبادلات التجارية والاقتصادية والمالية في العالم.

علما أن؛ 1 – الصين تمتلك 101 تريليون دولار سندات خزينة أميركية، اي انها أكبر مالك لديون الولايات المتحدة، فليس بالأمر اليسير على واشنطن ان اقدمت (بيجين) على بيع ما تملكه من سندات خزينة اميركية لإحداث فوضى وزعر في الاسواق العالمية، يؤدي الى هبوط حاد في قيمة الدولار وانهيار العديد من اقتصاديات دول العالم.

2 – الا ان الصين تبقى المتضررة الاساسية ان هي حاولت اللجوء الى مثل الخيار أعلاه، لأنها تكون بذلك كمن يطلق رصاصة على رجله، ان لم يكن كمن ينتحر في مكان ما، نظرا لحجم الكتلة النقدية بالدولار الاميركي الذي تمتلكها من سندات الخزينة الأميركية. لذلك لجأت الصين الى ربط عملتها (اليوان) بالدولار وما استخدامها سندات الخزانة الاميركية الا للمحافظة على قيمة منخفضة لليوان امام الدولار، ما من شأنه المحافظة بالتالي على اسعار متدنية وتنافسية لصادراتها الى الولايات المتحدة.

وللعلم، عام 2019 بلغت قيمة صادرات الصين الى الولايات المتحدة من البضائع 418 مليار دولارا اميركيا ما يؤكد انه ليس من مصلحة بيجين اللجوء الى ضرب اقتصاد اميركا ولا السعي لإفلاسها كون الاميركيين أكبر عملائها التجاريين في العالم.

3 – من هنا لجأت الصين الى سياسة الخطوة خطوة لخرق الجدار الاميركي والحؤول دون انهيار الاقتصاد الأميركي. وفي العام 2015 وجدنا صندوق النقد الدولي يوافق على اضافة (اليوان) الى سلة حقوق السحب الخاصة والتي تضم الدولار واليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني، إذ بات بإمكان المصارف المركزية في العالم الاحتفاظ بالعملة الصينية كجزء من اي عملة تضاف الى احتياطاتها من العملات الاجنبية.

ثالثا: في خضم هذه التقلبات الدولية تجاه الدولار، وبتاريخ 18/3/2020 اتفقت الدول الثماني المعروفة بمنظمة “شنغهاي” وتضم (الصين – روسيا – الهند – باكستان – كرغستان – كازخستان – طاجكستان – اوزباكستان) فضلا عن الدول الاربع المراقبة في المنظمة وهي (إيران – افغانستان – بيلاروسيا – منغوليا) على اخضاع التجارة والاستثمارات بينها بالعملات المحلية لكل دولة بدل الدولار الأميركي، اي انها اتفقت على تحييد التعامل بالدولار لحساب عملاتها المحلية في كافة التبادلات الثنائية في ما بينها.

وقبل منظمة شنغهاي، جرت محاولة للانقلاب على الدولار اواخر 2018 حين اتفقت تركيا والصين وإيران على اعتماد عملاتهم الوطنية في التبادلات التجارية في ما بينهم. كما ان الاوروبيين أرسلوا مساعدات طبية وانسانية لإيران في خضم العقوبات الاميركية الصارمة، عبر منظومة (انستكس) بالعملة الأوروبية، للتحايل على العقوبات الاميركية وعملة الدولار.

رابعا: يقول الفيلسوف توماس هوبز، في نظريته الحق للأقوى، انه ومن اجل الحفاظ على مصالح الجماعة ينبغي تسليم امرها للأقوى بينها، وهذا الاقوى الذي يحدد الحقوق والواجبات هو الصين التي انطلقت من كونها مصنع العالم لتصبح مع الوقت ثاني قوة اقتصادية عظمى في العالم الى الان في العالم.

لكن يبقى السؤال يبقى، هل يمكن بهذه السهولة اسقاط الدولار الاميركي على ساحة اقتصاديات العالم خصوصاً متى كان الاقتصاد الشرط الاساسي لاستمرار الهيمنة والقيادة العالمية؟

ثمة عد تنازلي بدأ لسيطرة الدولار الاميركي على اقتصاديات العالم، وهنا احدى مسببات الصراع الدولي المقبل في مرحلة ما بعد كورونا، التي جمدت الكثير من اجندات الدول والقوى العالمية في صراعاتها وسباقها نحو الصدارة والنمو والتطور.

لكن البنية التحتية المالية في النظام العالمي الحالي قائم بشدة وترسخ على الدولار وكذلك نظام المدفوعات عبر الحدود (سويفت) المهيمن عليه الدولار، ما يعني ان اية اعادة نظر بهيمنة الدولار تفترض قبل اي شيء هندسة مالية دولية جديدة تأخذ بالاعتبار اختيار عملة عالمية تماثل الدولار استقرارا، لأنه ثبت ان الدولار وبالمقارنة مع سائر العملات الأجنبية، يتمتع بميزة الاستقرار كونه الاقل تقلبا من اي عملة أخرى، وهذا ما يجنبه الانخفاض الحاد والمفاجئ.

صحيح ان هناك دول تتهرب من الدولار باللجوء الى عملات أخرى، وصحيح ان هناك دول وقوى عظمى تسعى لإطاحة الدولار لاستبداله بعملاتها كالاتحاد الاوروبي والصين، وصحيح ان ثمة مؤشرات وعوامل اقتصادية داخلية في اميركا تضغط على قيمة الدولار ما يدفعه الى الانخفاض وقد تكون ازمة كورونا احدى تلك المؤشرات والعوامل، الا ان الصحيح ايضا ان الولايات المتحدة ليست في وضعية اقتصادية قوية خصوصاً بعد كورونا، تحديداً اذا اخذنا بالاعتبار الدين العام الاميركي قبل كورونا والذي بلغ 110% من ناتج الولايات المتحدة القومي فيما ارتفعت الديون الاميركية بين العامين 2002 و2018، 3 اضعاف ما كانت عليه.

وللتذكير بما اقره الكونغرس الأميركي، أخيراً، بناء لطلب الرئيس ترمب من مبلغ بقيمة تريليوني دولار اميركي لدعم الاقتصاد الاميركي خلال ازمة كورونا. فانهاك الاقتصادات الكبرى يلعب لمصلحة تحول العالم الى نموذج جديد من ثنائية اقطاب ان لم نقل تعدديتهم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل