#adsense

ولمّا خرج الحكيم رأى وجوهنا بخير

حجم الخط

 

لحظة اعتقلوه كنت قليلة الايمان. تأكدت في حينها انني لن اراه ثانية على الاطلاق. لن نرى وجهه بخير، وكذلك ظن كثر من الرفاق. كان يأس اللحظة اقوى من الامل، وحتى اقوى من الإيمان ذاته. قلنا هذه هي النهاية. ما ان يدخلونه السجن، حتماً سيقتلونه لاحقا.

تهنا في شوارعنا، في خوفنا، في يأسنا من الاتي الاسود. كان 21 نيسان 1994 عز الربيع وعز الاحتلال السوري البغيض. عزّ الربيع وعز الزهر، لكنه بدا خريفا حزينا رماديا متهالكا على أوراقه الصفراء. بدت الدنيا في الرحيل، في الافول السحيق الذي لا شروق من بعده.

اخذوا الحكيم الى السجن. اطبقوا عليه وعلى الشباب واقتادوهم كالمجرمين الى اقبية التعذيب والاعتقالات. مهدوا الطريق لاعتقال الحكيم باطلاق ابشع التهم عليه وعلى القوات اللبنانية، تفجير كنيسة سيدة النجاة! فجّرها اسياد العمالة لسفاح الشام وقالوا فلنلصقها بهؤلاء الاحرار. هؤلاء الشباب المقاومون الشرفاء الذين يصرون على المطالبة بحرية لبنان وباستقلاله وجلاء جيش الاحتلال عن ارضه. ارهبوه بالشباب فلم يذعن، اغروه بالمناصب فلم يستمع، هددوه مرارا وتكرارا بالقتل ولم يبالِ، انذروه بأن يهرب من لبنان ليقول الناس عنه انه جبان، فرفض رفضا قاطعا، اذاً فلنجعله مجرما قاتلا للاطفال والمؤمنين في بيت الرب، ولا رب لهم الا دماء الابرياء والزحف الرخيص لبلاط الشام.

ومع ذلك بقينا حتى آخر لحظة نقنع انفسنا ونقول “لا اكيد لاء ما بياخدوا الحكيم مش ممكن ولوو في خطوط حمر”… لم نكن نملك ما يكفي من الحنكة والخبرة السياسية الكافية، لنعرف الا خطوط حمر لديهم الا حافظ الاسد والانصياع لأوامره.

كل ما فعلوه كان هدفه اعتقال الحكيم وحل حزب القوات اللبنانية وانهاء هذه الحال “الشاذة” في مسار الوطن. كانت الحرية نشاز، والمطالبة بالاستقلال شذوذ، والكرامة جريمة. وكانوا هم العملاء الصغار للاحتلال السوري وسلطة الزاحفين الى بلاط سفاح الشام والاحزاب الحليفة، كلهم كلهم كانوا في وجه القوات اللبنانية، والقوات وحدها تقاوم وتصر على المطالبة برحيل الاحتلال.

كل الاحداث التي سبقت، كانت توحي بالاتي الاعظم من الايام، لكنه تحضّر لها تماما. عشرات السيارات لمخابرات الجيش وصلت على غفلة وحاصرت المركز الرسمي لقيادة الحزب في بلدة غدراس، وبهدوء تام طلب الحكيم من ستريدا احضار حقيبته الخاصة التي جهزها مسبقا، ونظر الى الشباب من حوله، لوح لهم بيديه وقال “بشوف وجكن بخير”. وغاب في الموكب الطويل وراحوا هم في غيبوبة البكاء والصراخ والضياع المطلق.

لم يعرف حينذاك الحكيم ان موكبه سيتقاطع وموكب رفيقه فوزي الراسي العائد شهيدا من الاعتقال تحت وطاة التعذيب، لكنه كان يعرف ان في السجون مئات من شباب القوات يدفعون الثمن بسبب انتمائهم للقوات اللبنانية، وحين كانوا يرفضون التنكر، كانوا يعلقون على البلانكو او في دولاب التعذيب. ولما وصل الحكيم الزنزانة، كانوا يسمعونه اصواتهم وهي تئن الما عله ينهار ويفعل لهم ما يشاؤون، ولم يفعل.

من خلف الجدار يسمع اصوات انينهم، ومن خلف الجدار يسمعهم صوته وهو يرنم يا ام الله، ليبث فيهم بعضا من الطمأنينة. “كان بس يبلش يرتل الحكيم نرتاح، يصير عنا هيك امل اكبر وحتى تحملنا للعذاب يصير اكبر لان منعرف انو مش وحدنا، والاهم نعرف انو الحكيم بخير يعني القضية رح تبقى عايشة”، يقول احد الرفاق الذين اعتقلوا مع سمير جعجع.

“بشوف وجكن بخير”، قال لهم قبل ان يغيب في موكب الاعتقال، موكب السنين الذي اقفل على نحو احد عشرة عاما وكسور. ولما خرج وجد ان غالبية تلك الوجوه لا تزال بخير لان الرب رافقها، ولان سمير جعجع ما تخلى عنها لحظة واحدة. كلهم بقيوا في الانتماء، في النضال، في الوفاء للقضية، في الوفاء للرجل الذي اعطى وطنه كل حياته، كل حياته من دون اي اجتزاء، وسيعطيه بعد كل ما تبقى له من عمر وقوة وايمان.

بقيت وجوهنا بخير وها نحن مستمرون مع الحكيم في نضال شرس مرير لاجل اعادة انتشال الجمهورية من فك الاحتلال الجديد، لتعود وتصبح الجمهورية القوية الفعلية. ولم لم تكن وجوهنا صمدت بخير لاجل القضية ولاجل حرية الحكيم، لما وصلت القوات الى ما وصلت اليه، كأقوى الاحزاب اللبنانية، واشهرها نزاهة وصدقا على الاطلاق.

لما خرج الحكيم كنت انا بخير، او لنقل عدت وصرت بخير، لان الرجل الذي دخل السجن وانا يافعة، لما خرج كنت اصبحت ناضجة بسببه، وفهمت لماذا قبل ان يدخله منصاعا. فهمت عمق التضحية، معنى الحب الحقيقي، وكيف لرجل ان يمثل بخطوة كل الرجال كل الوطن، حتى لو تنّكر له الوطن كله.

لما خرج الحكيم ورأى وجوهنا بخير، عرف سمير جعجع انه يملك سلاحا فتاكا للمواجهة، الاحترام، المحبة، العناد المحق، الانتماء، وهؤلاء الشباب والصبايا المسكونين بروح الرب وبتراب ارض، لا تزال حتى اللحظة تأسره بسحرها وحبها، وان كان يبدو احيانا ان حبه لها من طرف واحد، لكن حسب سمير جعجع انه يحب، ويحب ليبقى اشهر السجناء الاحرار على الاطلاق، اسير قلب ووجه وطن لا يريد الا ان يراه بخير.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل