
يعتقد بعضهم أنّ المشاكل التي تعصف في العالم اليوم، من وباء كورونا حتّى الانخفاض المفاجئ بأسعار النّفط في الولايات المتّحدة، قد تنسينا هذا التّاريخ المطبوع في ذاكرتنا الجماعيّة. في 21 نيسان 1994 قرّروا اعتقال لبنان كلّه، فاعتقلوا سمير جعجع وساقوه إلى معتقله السياسي، وبدأت جلجلة لم نفقد رجاءنا يومًا بانتهائها.
في ذلك اليوم، كنت أتابع تحصيلي العلمي في السنة الثانية من مرحلة التعليم الثانوي. يومها تداعينا في مدرستنا إلى التعبير عن امتعاضنا فوزّعنا صور “الحكيم” بكلّ فخر ومن دون أيّ خوف، فاستدعانا المدير المسؤول، واليوم صار في دنيا الحقّ، سائلا إيّانا: “لماذا لا تخافون؟”، فأجبته من دون تردّد: “أنتم علّمتمونا تعاليم المسيح منذ الصّغر، والخوف ليس منها وفيها”. فطأطأ برأسه وربّت على كتفي مجيبًا: “نحن معكم. والله يحميكم”. وانطلقنا بمسيرة المقاومة السرّيّة.
قد تبدو للوهلة الأولى هذه الشهادة دستور حياة اعتمدناه طوال 4114 يوماً من الاعتقال؛ لكنّها دستور حياة جماعة من النّاس بلغت من العمر أكثر من ألف وخمسمئة سنة. هذه حضارتنا وهي موجودة بلاوعينا. لا بل نحن مفطورون على المقاومة، ونعرف أنواعها في مختلف مراحل الحياة. نحن لم نخترها في ذلك التّاريخ بل هي التي اختارتنا، وسارت بنا حيث لا ندرك بل حيث نشاء.
وظلّ سمير جعجع من زنزانته قائداً لهذه المقاومة انطلاقًا من بيت “يسوع الملك” الذي حضننا، وصرنا نكبر في ظلّ نعمته، والخوف بقي ملقى أمام صدورنا، لم نسمح له بالدّخول يومًا إلى قلوبنا. لكن الضّعف الموجود عند بعضهم، سمح بدخوله، فتركوا القطيع، ليذهبوا إلى حظيرة أخرى، ظنًّا منهم بأنّهم سينالون حظوة فيها، بشتمهم إيّاك يا سمير جعجع.
فكان لهم ما أرادوا، ودخلوا نادي الخونة، وتربّعوا على عروش الحكم. ونحن بقينا في الدّساكر والساحات. نواجه بصدورنا العارية، ومصابيحنا دوماً مشتعلة بنور المسيح وبرجاء القيامة. لم نيأس يوماً بل كانت تشتدّ عزيمتنا أكثر فأكثر عندما نجتمع معاً لنشدّ العصب الذي إن ضعف حيناً، لكنّه لم ينطفئ أبدًا. واجهنا الموت ولم نخف. نمنا في الأقبية وفي مجاري المياه الآثنة، لا خوفاً ولا هرباً، بل لنتنظّم أكثر وننطلق أقوى. وكلّما كانوا يضربون قسماً منّا ليشرذمونا، كنّا نخرج متّحدين أكثر. نحمل الصور من حريصا إلى ميفوق كلّ عام لنصلّي لشهدائنا. فنخرج أقوياء أكثر فأكثر.
ولم يكن ذلك كلّه ليتحقّق لولا ثابتين اثنين:
– ثبوتك يا سمير جعجع في معتقلك لتدحض شائعاتهم كلّها. مرّة يسرّبون لنا بأنّك مصاب بالمرض، ومرّة أخرى ينثرون الاشاعات حول أنفاسك الأخيرة. ويوم تطلّ في جلسات المحاكمة كنت تحاكمهم عوض أن يحاكموك؛ فتقيمنا من تحت التّراب الذي لم نسمح له يومًا بأن يحضننا. فننفض عنّا غباره، ونعود إلى مسيرة الأجداد لنقاوم بعزيمة أقوى.
– والثابت الثاني الذي لم يقلّ أهميّة عن ثبوتك، هو ثبوت ملك بكركي، من أعطي له مجد لبنان، البطريرك مارنصرالله بطرس صفير الذي لم يتوانَ يوماً عن شدّ عزيمتنا متى ضعفت مردّداً عبارته الشهيرة لنا: “أنظروا ما بإمكانكم أن تعطوا وطنكم، وليس ما بإمكان وطنكم أن يعطيكم. نحن معكم”
وهكذا لم تتوقّف مسيرتنا، على الرغم من العرق والدّموع والدّماء الذكيّة التي سقطت على طريق المقاومة. ولم تكن يوماً وحدك الهدف، بل كما علّمتنا أنت والأجداد:” لبنان هدفنا والمسيرة تستمرّ”. حتّى تحقّقت قيامة الوطن، ولو جزئياً، وخرجت وأخرجتهبأسره معك إلى الحريّة. لذلك نكمل اليوم معك، وكلّنا إيمان بالعبر التي علّمتنا إيّاها منذ ذلك التّاريخ إلى اليوم؛ لم تتخلَّ عن أحد منّا. حتّى وأنت في معتقلك بقينا كلّنا في بالك. وتسألون بعد … لمَ لا نترك سمير جعجع ونرحل؟ الإجابة: هل رحل هو وتركنا؟