#adsense

عندما حررت ستريدا مستشفى مار ماما من الاعتقال

حجم الخط

صراحة صراحة، أحسد قضاء بشري على نوابه. صراحة أكثر بعد، احسدهم على ستريدا جعجع. لا اعرف من اين تستمد هذه السيدة كل تلك القوة، كل ذاك الفائض من الاندفاع للخدمة العامة، وهذه القدرة الفائقة على ملاحقة الملفات وكل تلك التفاصيل الصغيرة والكبيرة في آن واحد!

لما اعلنت قبل يومين عن مؤتمرها الصحفي، كتب بعض الرفاق المقربين منها عبر صفحاتهم، انها ستعلن عن مفاجأة جميلة. قلت بالتأكيد ستخبرنا عن وضع بشري الصحي، وعن انحسار الوباء، وان بلدة الشهداء والقديسين والمناضلين انتصرت على حالها وهزمته.

عملياً، التخمين ليس بعيدا عن الواقع، فالمدينة تناضل بسخاء مدهش لتنتصر على نفسها، بتعاون قل نظيره بين الاهالي والفاعليات كافة، وبفضل تدابير غير اعتيادية اتخذت من البلدية والهيئات الصحية والاجتماعية التي تجندت لخدمة المرضى والناس عموما، تدابير كانت اتخذت اساسا منذ تفشي الوباء في لبنان، فكان القضاء نموذجيا بتدابيره قبل ان يصل الوباء الى عقر دار بشري ويُتخذ القرار الصعب بالعزل كليا.

 

اذاً، جلستُ استمع وانا متأكدة مما ستعلنه السيدة بأبيضها المنهمر تفاؤلا، واخطأت التقدير نسبيا. انطلقَت اولا من ذكرى اعتقال الحكيم لتحوّلها من ذكرى أليمة الى جميلة. هو دائما ذاك الايمان المطلق الذي يسكنها بان جولات الباطل تموت وحدها مع انتصار جولات الحق، وان بالامكان استبدال الالم ببسمة، او ببادرة رجاء تزرع الامل حيث كان ذات عمر الدمع والخوف واليأس. هي اذاً رمزية هذا التاريخ تحديدا في اعلان ما اعلنته.

تاريخ اعتقال الحكيم منذ ستة وعشرين عاما، تحول مع ستريدا جعجع الى تاريخ تحرير حلم قديم، وتكريم رجل من رجالات بشري سخّر حياته لخدمة بلدته، من خلال انشاء مستشفى يحضن المرضى الذين كان يموت بعضهم وهم في طريقهم الى مستشفيات خارج القضاء. نحكي عن انطوان الخوري ملكة طوق، الرجل الذي جاب العالم منذ الثمانينات لتأمين الاموال لإنشاء مستشفى مار ماما، ولما احرز تقدما كبيرا، حِلي المشروع في عيون الدولة انذاك، فقررت التدخل وتحويله الى مستشفى حكومي. واغدقت الوعود باستكمال البناء، وبقيت الوعود وعودا، والقضاء من دون مستشفاه، ومات انطوان الخوري، ومرت السنين، 41 عاما، والمشروع في سباته، الى ان عادت وبعناد غريب، نفضته ستريدا جعجع من عمق اعماق التناسي، ومع نواب القضاء، منذ أصبح للقوات اللبنانية نوابها في المنطقة.

استنهضت ستريدا الحلم القديم لإنهاء تجهيز المستشفى، وبدأت تلاحق الاوراق القانونية المتعثرة في أكثر من وزارة، الى ان حصلت “الاعجوبة” اخيرا! نعم اعجوبة في لبنان انجاز اوراق رسمية وانقاذها من براثن البيروقراطية القاتلة وفساد الدوائر الرسمية، ثم أطلقت حملة تبرعات استثنائية نالت على اثرها مبلغ مليون دولار كمرحلة اولى. ولم تكتفِ بإصحاب الايادي البيضاء من ابناء المنطقة، فوسّعت الدائرة لتشمل عالم الاغتراب وتشجيعهم على تقديم المزيد من التبرعات لإنجاز المرحلة الاخيرة من البناء، التي تحتاج الى 300 ألف دولار، وعاد المشروع الكبير ليصبح حلما محققا قريبا وقريبا جدا.

وانا استمع اليها، قلت من الذي يحرّض أكثر على الخير، الناس ام المسؤولون؟ هذه السيدة صورة صافية عما يجب ان يكون عليه اي مسؤول في هذه الدولة البائسة بسلطتها. والاكيد ان اهل القضاء الذي تمثّلهم هي صورة عنهم وهم صورة عنها، وفائض الخير والمحبة تلك للناس ليست الا انعكاسا لتلك العلاقة المتبادلة التي تجمعهم بها وبنواب المنطقة عموما. ولذلك انا أحسدهم، واكاد اصرخ اننا لن نقبل في الانتخابات النيابية المقبلة الا ان يكون لنا في البقاع الغربي نائبا عن القوات اللبنانية على شاكلة نوابه ووزرائه كافة، ولا نستحق اقل من ذلك.

في نهاية المؤتمر وستريدا تطلب موافقة وزارة الصحة على اطلاق اسم انطوان الخوري ملكة طوق على المستشفى الحكومي، تكريما للرجل الذي وضع الحجر الاساس وتعب وناضل لإطلاق هذا المستشفى، وجّهت للراحل كلمة قلب وطلبت منه ان يصلي من عليائه لاجل بشري، وهنا توقف الكلام لتجوب في العيون الواسعة دمعة حنان رقراقة، لعلها دمعة الحب والانتماء للارض العابقة من بخور القديسين، وانا رأيتها دمعة الخوف على اهلها، كل القضاء اهلها، واهلها الان لا يزالون في ضيمهم يناضلون بشجاعة مطلقة لأجل الحياة والصحة، هم الذين ناضلوا عبر السنين لأجل الكرامة والاستقلال. ان تتحول ذكرى الاعتقال الى ذكرى تحرير حلم، ليس بمقدور الا ابناء الخير ان يفعلوها، وفعلتها ستريدا جعجع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل