حروب نيسان

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1705

13 نيسان 1975: بداية حرب

2 نيسان 1981: انتصار زحلة

26 نيسان 2005: خروج جيش الأسد

 

في 26 نيسان 2005 خرج جيش النظام السوري من لبنان. ذلك النظام الذي اعتقد طويلا أنه نجح في ضم لبنان إلى ممتلكاته الخاصة انهزم أمام إرادة اللبنانيين الذين نزلوا إلى الساحات في 14 آذار 2005 وأمام القرار الدولي بإعادته إلى داخل سوريا ليواجه هزيمته الثانية المستمرة منذ 15 آذار 2011 تاريخ اندلاع الحرب هناك.

عندما بدأ هذا النظام يتدخل في لبنان راهن على أن انقسام اللبنانيين يمكن أن يمهد له الطريق نحو السيطرة الدائمة عليه. ولكن هذا الرهان كان خاسرا. بعدما وقع حافظ الأسد اتفاقية الهدنة مع إسرائيل في أيار 1974 متخليا عن خيار الحرب على جبهاته السورية المفتوحة في الجولان استدار نحو لبنان.

في 13 نيسان 1975 اندلعت الحرب في لبنان بعد حادثة بوسطة عين الرمانة. منذ ذلك التاريخ كان النظام السوري حاضرا في التفاصيل اليومية لإدارة المعارك العسكرية والسياسية. حافظ الأسد الذي انهزم أمام إسرائيل كان يريد أن يستخدم جيشه للإنتصار على لبنان. اكتفى برفع العلم السوري في مدينة القنيطرة في منطقة منزوعة السلاح وعمل على أن ينشر جيشه في لبنان.

لم يبدأ تدخل الأسد في لبنان مع 13 نيسان 1975. بعد معارك أيلول الأسود 1970 بين منظمة التحرير الفلسطينية والنظام الملكي الهاشمي في عمّان حاول أن يرسل جيشه إلى الأردن بحجة الدفاع عن الفلسطينيين مهددا الملك حسين. ولكن التهديد انقلب عليه فاضطر إلى سحبه وفتح بعد ذلك الطريق أمام المسلحين الفلسطينيين للإنسحاب من الأردن والتجمع في لبنان مستغلا ضعف النظام اللبناني في المرحلة الإنتقالية بين عهدي الرئيس شارل حلو والرئيس سليمان فرنجية واتفاقية القاهرة التي لم يكن قد مضى عام واحد على توقيعها بين قائد الجيش اللبناني العماد أميل البستاني وقائد حركة فتح ومنظمة التحرير ياسر عرفات. كانت القضية الفلسطينية حتى ذلك التاريخ محل مزايدة بين الأنظمة العربية وكان حافظ الأسد أحد أبرز العاملين على الإستفادة من العامل الفلسطيني في محاولة لتطويعه وكان على لبنان أن يدفع الثمن.

في أيار 1973 عندما حصلت الإشتباكات بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين كان وزير خارجية الأسد عبد الحليم خدام يتولى مهمة توجيه إنذار إلى الرئيس سليمان فرنجية بضرورة وقف المعارك. وجد لبنان نفسه وحيدا في هذه المعركة في ظل انقسام داخلي حول الدور الفلسطيني في لبنان. توقفت المعارك ولكنها عادت وانفجرت بعد عامين في 13 نيسان لأن الفلسطينيين استشعروا بالقوة الزائدة وبأن في استطاعتهم تغيير النظام في لبنان بحجة فتح الطريق نحو فلسطين.

منذ بداية الحرب اضطلع نظام الأسد بدور إدارة الحروب والصراعات مغيرا تحالفاته وفق مصالحه على أساس أنه الأقوى بين المتصارعين ويمكن أن يكون وصيا على عدد كبير منهم وعلى الدولة اللبنانية. طرف واحد لم يذعن له هو الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية التي خاضت معه حروبا مفتوحة من أجل منعه من السيطرة على لبنان.

صحيح أن القمتين العربيتين في الرياض والقاهرة في أيلول 1976 أعطتاه الغطاء العربي لبقاء جيشه في لبنان تحت ستار قوات الردع العربية ولكنه استغل هذا الوضع ليكون له القرار الأول في إدارة القرار اللبناني. منذ العام 1978 انكفأ دور منظمة التحرير عمليا ليحل دور الأسد محله عسكريا وسياسيا. بدأ هذا التحول في معركة ثكنة الفياضية في 9 شباط 1978 مع الجيش اللبناني وتكرس في حرب المئة يوم صيف ذلك العام في الأشرفية وعين الرمانة والحدث وكل المناطق الشرقية. في تلك الحرب تعلم الأسد أن السيطرة على لبنان ليست مهمة سهلة وأن عليه أن يواجه مقاومة شرسة لا تهادن ولا تقبل أن تخضع لوصايته وأوامره. وكان عليه أن يخضع للمرة الأولى إلى القبول بانسحاب جيشه من هذه المناطق محققا الخسارة الأولى في مواجهة مفتوحة.

حرب زحلة لم تكن إلا محطة من محطات المواجهة هذه. تاريخ اندلاع المعركة الأساسية على جبهة زحلة في أول نيسان 1981 لم يكن إلا تاريخا من تواريخ كثيرة عاشتها زحلة في مسيرة مقاومة محاولات نظام الأسد السيطرة عليها. تلك كانت مهمة النظام السوري التي حاول أكثر من مرة تطبيقها. منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب في 13 نيسان دخلت زحلة ساحة المواجهات وبقيت دائما عرضة للقصف والتعديات وتحت الحصار ودائما كان نظام الأسد يريد أن يكسر إرادتها ويطوّعها ويهزمها. ولكنه دائما كان يفشل. حتى عندما كان يدخل إليها بفعل التهديد في بعض المحطات كانت زحلة تبقى حرة وقوية. ودائما كان مشهد دباباته المدمرة عند جسر زحلة هو الصورة المحفورة في الذاكرة والتاريخ. لأن جيشه كان يمكنه أن ينتشر في عدد من المواقع ولكن أهل زحلة دائما كانوا متمسكين بإرادة المقاومة والصمود. حتى عندما فرض النظام السوري على أهل زحلة أن يكون فيها مقر إيلي حبيقة بعد إسقاط القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع الإتفاق الثلاثي في 15 كانون الثاني 1986 بقيت زحلة ترفض هذا الوجود المفروض وبقي حبيقة غريبا عن زحلة وأهلها وبقيت زحلة تلك المدينة المقاومة التي رفعت رأسها عاليا ورأس القوات اللبنانية في معركة نيسان 1981.

حتى 26 نيسان 2005 كانت زحلة تشهد توالي انسحاب وحدات جيش الأسد من لبنان. ما بدأه الرئس الأب حاول أن يتابعه الرئيس الإبن. من حافظ الأسد إلى بشار الأسد بقيت استراتجية سوريا في لبنان واحدة وبقيت القوات اللبنانية وزحلة في مواجهة دائمة مع هذه الإستراتيجية التي طوعت كثيرين وارتمى في أحضانها كثيرون. بعد 15 عاما من إدارة الحروب و15 عاما من عهد الوصاية المباشرة على لبنان وبعد قرار حل حزب القوات اللبنانية واعتقال سمير جعجع وملاحقة القواتيين وجد النظام السوري نفسه مضطرا لتنفيذ القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن والإنسحاب من لبنان. اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 كان محاولة لمنع تنفيذ هذا القرار ولكن ثورة الأرز في 14 آذار بعد شهر واحد على الإغتيال كانت المؤشر إلى الوجهة التي يجب أن يسلكها جيش بشار الأسد الذي وجد نفسه أمام خيار الدفاع عن نفسه ونظامه داخل سوريا. بعد ستة أعوام كان عليه أن يواجه القدر الذي حاول والده أن يفرضه على لبنان. ذلك الجيش الذي أمن سيطرة النظام السوري على لبنان على مدى ثلاثين عاما كان عاجزا عن الدفاع عنه في سوريا. وذلك النظام الذي ركب موجة الحرب الأهلية في لبنان خرج منه في 26 نيسان 2005 من دون أن يخرج بعد من حروبه الداخلية.

بعد 45 عاما على ذكرى اندلاع الحروب في لبنان وبعد نحو أربعين عاما على  حرب زحلة لا تزال صورة هزيمة جيش الأسد في زحلة راسخة في التاريخ وستبقى كذلك.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل