ما بين الله والعلم

 

شكلت الأزمات والأمراض محنة فكرية للإنسان عبر التاريخ. ومع ظهور الفكر التوحيدي، شكلت منظومة الغضب الإلهي النقطة الأساس في تفسير هذه الظواهر. فاعتبر الشعب اليهودي ان قساوة الله تشكل تصحيحا للمسار الإنساني، وان الأزمات تأتي كشكل من أشكال العقاب لخطيئة ما ارتكبها الشعب.

أتى يسوع المسيح ليعيد صياغة مفهوم علاقة الله بالإنسان عبر ارتقاء الطبيعة الإنسانية. فأعطى للطبيعة الإنسانية الحرية الكاملة، المسؤولية الكاملة والفهم الكامل ضمن دائرة الكمال الإلهي. برر البشر الكثير مما يجهلونه عبر التاريخ وضمن ثقافتهم المحدودة بما سموه مشيئة الله. فما لم يستطيعوا إعطاءه التفسير المنطقي تم وضعه في خانة المشيئة الربانية. بدأ مفهوم الغضب الإلهي والذي تمت وراثته من اليهودية بالتراجع أمام تعزيز دور الفهم الإنساني لواقعه الذي يقع في خانة مسؤوليته الكاملة.

ركزت المسيحية على محورية الانسان في الوجود وحريته ومسؤوليته وقدراته اللامتناهية لكونه على صورة الله ومثاله. أعطت المفاهيم المسيحية حيذا كبيرًا لمحاولة فهم الطبيعة والإنسان وأعطي العلم دورا كبيرا في محاولة تطوير الفكر الإنساني كأداة تقربه من الله أكثر فأكثر.

بعد الثورة العلمية التي بدأت في القرن السادس عشر والتي اتخذت عدة مراحل لتطوير ادائها، بدأ البشر باكتشاف الأسباب الموجبة لعدة ظواهر. وبحسب ما ذكره Yuval Noah Harari، فإن الهدف الأساسي لدى البشرية بدأ بالتحول من تقبل الموت والتعامل معه كواقع، الى عدو يجب ابعاده. فكان هدف العلم الأول هو تحسين حياة الفرد والمجتمع وإبعاد شبح الموت قدر المستطاع. تطور العلم في حوالي الـ500 سنة الأخيرة كثيرا واستطاع رفع معدل الحياة لدى الفرد من حوالي 35 سنةً الى حوالي 82 سنة، واستطاع أيضا القضاء على الكثير مما يهدد راحة البشر وحياتهم.

لكن لا يأتي هذا من دون ثمن ضمن قوانين الطبيعة أن تم المس بالتوازن. وهنا يكمن الدور المشترك بين الحرية والفهم والمسؤولية ضمن دائرة الكمال الإلهي. فالمسؤولية التي أعطتها المسيحية للإنسان تحتم عليه الدفع باتجاه الفهم الكامل ولكن ضمن التوازن وضمن الدائرة الإلهية التي جعلت القيم اداة التحكم الأساسية. وتأتي بعض الأزمات لتعيد التوازن لمن قام بالذهاب الى الحد الأقصى الأخر واستبدل الله بالعلم.

بعض الأزمات مثل كورونا تأتي لتعيد الخطة الى مسارها الصحيح وهي التموضع المتوازن ما بين الفهم الكامل والمسؤولية الكاملة والحرية الكاملة. فالأزمات تعمل على تذكير الانسان بوضعيته الفضلى في الكون ومسؤولياته. وليست الأوبئة عقابا للبشر بل تحديا لحريتهم وحثا لمسؤولياتهم.

من جهة أخرى، فان عدم الثقة بالعلم وبقدرة الانسان على تجاوز التحديات هو انقلاب وانكار الانسان لحرمته وقدرته ووضعه الذي انتدبه له في الارض. ولكن يبقى لنا ان نصل الى نقطة التوازن المحددة والتي لن نستطيع ان ندركها الا بإكمالنا لهذه المسيرة الخلاصية ومرورنا بأزمات أخرى تكون شدتها بحسب مسافتنا من نقطة التوازن وعندها نكون قد حققنا هدف الله أي هدف وجودنا.

 

وسام راجي

رئيس مصلحة الأساتذة الجامعيين

خبر عاجل