
يحتل لبنان مركزاً متقدماً بين الدول التي تمتلك احتياطياً من الذهب، وهو بين الدول العشرين الأولى مع احتياطي يبلغ 286.8 طناً، أي نحو 10 ملايين و116 الفاً و572 أونصة، بقيمة إجمالية تبلغ اليوم حوالى 16 مليار دولار أميركي. ودائماً ما ينظر إلى احتياطي الذهب كضمانة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. وتثار من حين إلى آخر مسألة إمكانية تسييل الذهب أو رهنه، كلياً أو جزئياً، ما يروي عطش الأسواق المالية للسيولة بالعملات الصعبة وخصوصاً الدولار، لتحريك الاقتصاد والتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية والمالية.
الموضوع يبقى مطروحاً ولم يسحب كلياً من التداول في الأوساط والمنتديات السياسية والاقتصادية والمالية، على الرغم من أن الانطباع العام السائد هو ممانعة معظم الأطراف السياسية والمالية المسّ بالذهب، خصوصاً في ظل الانقسام السياسي القائم ومع سلطة تحيطها علامات استفهام كثيرة حول نزاهتها. بالإضافة إلى أن هناك حلولاً كثيرة للأزمة لو تجرأت السلطة الحاكمة وأقدمت على إجراءات إصلاحية فعلية، وأوقفت مزاريب الهدر والفساد، وترفَّعت عن المحسوبيات والمحاصصات.
في السياق، تشير معلومات تتردد في بعض الأوساط الاقتصادية والمالية والسياسية، إلى “وجود نحو 4 إلى 5 مليار دولار نقدي لدى المصارف في لبنان بالإضافة إلى ودائع لها في الخارج”.
وتعتبر المصادر، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “يمكن للمصارف في حال اعتمدت إجراءات أكثر ليونة لتسهيل سحب المودعين لودائعهم بالدولار، وقامت بضخ جزء من هذه المبالغ في الأسواق، أن تساهم في تخفيف منسوب الشح في السيولة بالدولار والسيطرة أكثر على التفلت الحاصل في سعر الصرف وارتفاعه المستمر. وطبعاً، بالتزامن مع زيادة الضغوط على السلطة والحكومة لوضع خطة إصلاحية جدية”.
من جهته، يستغرب كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس نسيب غبريل، هذا الكلام. ويقول، لموقع “القوات”، “لا أعرف أبداً من أين أتت هذه الأرقام عن وجود 4 أو 5 مليار دولار سيولة في المصارف حالياً”. ويضيف، “يا ريت”.
ويعتبر الخبير الاقتصادي ذاته، أن “المصارف هي الجهة الأكثر تضرراً من الإجراءات الموقتة التي اضطُّرت لاتخاذها ابتداء من تشرين الثاني الماضي”. ويؤكد أن “المصارف مؤتمنة على ودائع الناس وستفعل كل ما يجب فعله للمحافظة عليها، وترفض بشكل كليّ فكرة الهيركات على أي شريحة من شرائح المودعين”.
ويوافق غبريل على أن “السوق اليوم بحاجة إلى سيولة والمودع للحصول على أمواله بالتأكيد. لكن هناك حل لا أعرف لماذا لا يعتمدونه لتحريك الاقتصاد وضخ سيولة؟”. ويقول، “لدينا احتياطي من الذهب وقيمته ترتفع ووصلت اليوم إلى 16 مليار دولار”. ويسأل، “متى سنستعمل هذا الاحتياط؟ ألا نستعمله حين نكون في خضم الأزمات؟”.
ويوضح، “لا أقول بتسييل الذهب. لكن هناك إجراءات يمكن للسلطة التنفيذية اتخاذها. فلماذا لا نأخذ Overdraft مقابل قسم من قيمة الذهب، نحو 5 أو 6 مليار دولار مثلاً ونضخها في الاقتصاد، بانتظار الخطة المتكاملة للسلطة التنفيذية؟”، لافتاً إلى أن “الجيد في موضوع الذهب أن لا سلطة واحدة بإمكانها التصرف به، لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة ولا مجلس الوزراء ولا حاكم مصرف لبنان، بل القرار في شأن تسييل الذهب بحاجة إلى تصويت في مجلس النواب”.
وإذ يشير إلى أن “لدينا اليوم هذه الموجودات الضخمة بقيمة 16 مليار دولار ونحن في أزمة سيولة وأزمة ثقة”، يعتبر أنه “من البديهي التفكير بهذا الأمر وضخ 5 أو 6 مليار دولار في الأسواق لمساعدة الشركات والاستيراد والتصدير وفي الاقتصاد عموماً”.
ويلفت غبريل إلى أن “الاقتصاد اليوم مخنوق، وهذا حل موجود وممكن”، مشدداً على أنه “بالتأكيد يجب أن يكون من ضمن سلة وخطة إصلاحية متكاملة، لكنه موجود، ولم يلحظ في مسودة خطة السلطة التنفيذية التي طرحت أو تسرَّبت منذ أسبوعين”. ويؤكد أنه “لا يمكن أن نكون في هذا الوضع ويتم الاعتماد فقط على إجراءات موضعية وموقتة يتخذها مصرف لبنان، الذي لا يمكنه القيام بأكثر مما يقوم به”.
ويشدد غبريل على أننا “بحاجة اليوم إلى صدمة إيجابية تعزز الثقة وتعطي بصيص أمل في آخر النفق. لا نقول إن الحل يجب أن ينجز بين يوم وأخر، لكن يجب أن يوحي أن هناك جدية في التعاطي مع الأزمة ووعياً للأولويات، بالإضافة إلى إقرار حلول طويلة الأمد مقنعة، بينما لا نرى أي شيء من هذا كله”.
ويرى أن “الحل يبدأ بالذهاب للتفاوض مع صندوق النقد الدولي على المشروع الإصلاحي للسلطات اللبنانية”. ويوضح أن “صندوق النقد لا يهبط على السلطة في بيروت ويقول عليكم فعل كذا وكذا، بل إن السلطات هي من تطرح مشروعها الإصلاحي ويتم التفاوض مع الصندوق على بنوده والأولويات والمهل الزمنية. وفي حال تم الاتفاق بين الطرفين عندها يبدأ تطبيق الإصلاحات”.
ويلفت إلى أننا “منذ العام 2002 تعهدت الحكومات المتعاقبة بإقرار إصلاحات لم تطبِّق منها غير زيادة الضرائب للأسف”. ويؤكد أن “لا أحد سيقتنع اليوم بأي برنامج تقدمه السلطات إن لم يكن هناك تطبيق فعلي للإصلاحات. والاتفاق مع صندوق النقد يعطي أولاً مصداقية للبرنامج الإصلاحي لأن السلطات اللبنانية عندها ستكون مقيَّدة بمهل زمنية وبأهداف محددة، وثانياً يبدأ الصندوق بضخ سيولة في الأسواق، إذ إنه يقوم كل 6 أشهر بتقييم تنفيذ الإصلاحات وفق الاتفاق، ويقوم بضخ سيولة تدريجياً في حال طُبِّقت”.
ويضيف، “الاتفاق مع صندوق النقد يعطي مصداقية لتطبيق الإصلاحات، وهذا يشجع مصادر أخرى (صناديق إقليمية، وصناديق تنمية، ودول، ومؤسسات متعددة الأطراف وغيرها)، على القيام بضخ سيولة في الأسواق اللبنانية أيضاً. بالتالي الخطوة الأولى يجب أن تكون التفاوض مع صندوق النقد”، مستغرباً كيف أن “ما سُرِّب عن مسودة خطة الحكومة يقول إن المسؤولين يدركون أن الحل يمرّ عبر الاستعانة بالمؤسسات الدولية، لكننا لم نر أي خطوة عملية حتى الآن”.
