
المضحك المبكي في السياسة اللبنانيّة، قاعدة يُعمَل بها منذ أن استلمت هذه السلطة الحكم، بعد العام 1990 وحتّى اليوم. حتى إنّها أرست نهجًا بات كلّه قواعد معتمدة على مرّ هذه العقودالثلاثة؛ اذ أنّها اعتمدت على ” كبش المحرقة” عند كلّ ضائقة أو جائحة لتنفذ بنفسها من عنق الزجاجة. وممّا لا يخفى على أحد،أنّ اليوم عنق الزجاجة بات أضيق بكثير من ذي قبل، لذلك دأبت هذه السلطة عينها على تقدمة دسمة تجلّت في حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، كمسؤول وحده عمّا آلت إليه الأمور ماليًّا في لبنان.
إلا أنّ هذه السلطة عينها، تناست أنّها هي التي جدّدت مرارًا وتكرارًا ليبقى سلامة في منصبه؛ لأنّه كان يحقّق بسياساته مطالبها، لذلك غالبًا ما كانت تحرّره من خلال عدم متابعة ملفّ التعيينات الماليّة في المصرف المركزي، كي لا تتقسّم السلطة في قدرة السيطرة على السياسة النقديّة، خدمة لهذه السلطة السياسيّة. ولم يكن بحسب القانون يومًا رياض سلامة مطلق الصلاحيّة، إذ هناك مفوض للحكومة لدى مصرف لبنان، وكذلك يوجد مجلس مركزي للمصرف. لكنّ هذه السلطة قامت بتعطيل هذا المجلس، وتعمّدت عدم إنجاز التعيينات المالية التي تسمح بتفعيل دوره. هذا من دون إغفال دور وزارة الماليّة بشخص وزيرها.
وهذه الخطّة المحبوكة حبكة فنّان، حرّرت الحاكم والمصرف المركزي طالما سيّرا شؤون هذه السلطة الحاكمة. ما أدّى إلى تغييب المسؤوليّة المجتمعة وحصرها فقط بالحاكم. بالتّالي، صار اغفال التراتبية في تحمّل تبعات الانهيار المالي أمرًا طبيعيًّا ولكأنّه قانونيّ. فحرّرت السلطة السياسية نفسها بنفسها من المسؤوليّة، ثم حرّرت معها المصرف المركزي.
لذلك كلّه، جهدت هذه السلطة اليوم على استصدار النصوص القانونية النهائيّة تمهيدًا لإقراره، حتى تتمكّن بموجبها من إجراء التحقيق الضريبي الداخلي والخارجي، والتحقيق المحاسبي. كما طلبت من النيابة العامّة التمييزيّة بتكليف الضابطة العدليّة لإجراء الاستقصاءات والتحقيقات حول شخصيات شغلت مناصب رسميّة حاليًّا وسابقًا. في حين أنّها أغفلت بالكامل التحقيق في المنظومة السياسيّة التي أدارت الشأن السياسي في هذه الحقبة، وسلامة منها.
وفور شروع هذه السلطة السياسيّة بتوجيه سهام الاتّهام إلى سلامة حتّى تبدّت كالشمس خطّة حزب الله التي سرعان ما كشفت أنّ سلامة هو معرقلها؛ حيث يجهد الحزب في السوق النّقديّة للالتفاف على العقوبات الأميركيّة المفروضة عليه وعلى أوليائه في إيران. حتّى بان جليًّا أنّ الحزب هو الآمر النّاهي في صلب هذه السلطة السياسيّة التي استفحلت من 7 أيّار 2008 وحتّى اليوم.
لكن ما لم يستطع تحقيقه في هذا الموضوع، هو التوافق الوطني على إقالة سلامة ما جعله ثابتًا أكثر. ويجب عدم الاستهانة في هذه الطريقة السياسيّة على ضرب المواقع المثبّتة في الأعراف منذ ما قبل الطائف وبعده، من قيادة الأمن العام، وحاكميّة المصرف المركزي، وقيادة الجيش اللبناني، وغيرها من مراكز الدّولة. والمعيب في ذلك كلّه، فريق التيّار الحرّ الذي أمّن تغطية وطنيّة للحزب، ما مكّنه من زيادة قدرته في السيطرة على مفاصل الحكم، وجعلها تحت سلطته المباشرة. هل يكتفي الحزب بالرّسائل التي وجّهها للعالم بوساطة هجومه على سلامة؟ أم يتابع مسيرة إسقاط الدولة لحساب سلطته الخاصّة؟