.jpg)
بدت بيروت أمس تحت وقع الصدمة التي شكّلها اندفاعُ الحكومة بلسان رئيسها حسان دياب وغطاء عرّابيها الرئيسيين نحو عملية اقتصاصٍ، اعتبرت أوساط مطلعة عبر “الراي” أن واجهتَها مصرف لبنان وحاكمه، ولكن “بنك أهدافها” الفعلي استكمالُ تصفية الحسابات مع خصوم الحكومة و”محاكمة” المرحلة السابقة تحت عنوان “الأعوام الـ30 الماضية” وتحميلها مسؤولية الكارثة المالية.
واعتبرتْ أن ما حَمَلَتْه جلسةُ مجلس الوزراء الجمعة، جاء بمثابة “إقالة مع وقف التنفيذ” لحاكم المصرف المركزي رياض سلامة، أعطتْ واقعياً رصاصةَ انطلاقِ منازلة سياسية سرعان ما جرى ترسيم “خطوطها المتفجّرة” مع تَعاطي المعارضة معها ولا سيما رئيس الحكومة السابق سعد الحريري (والزعيم الدرزي وليد جنبلاط) على أنها بمثابة “إعلان انقلاب بلغة عسكرية من جنرال يتقمّص دور رئيس الحكومة”، بهدف تحميل مسؤولية الانهيار في اتجاه حاكمية مصرف لبنان وتغيير هوية الاقتصاد الحر وإعلان الحرب على الحريرية السياسية.
ولاحظت الأوساط أن الحكومة التي سحبتْ الغطاء عملياً من حاكم “المركزي” عبر وضْعه من دياب في “قفص الاتهام” بـ”الغموض المريب في أدائه” داعياً إياه إلى “ان يخرج ويعلن للبنانيين الحقائق بصراحة وما سقف ارتفاع الدولار وما أفق المعالجة”، بدت فعلياً مقيَّدة، أقله حتى الساعة، في الإطاحة بسلامة بعامليْن:
الأول داخلي يرتكز على عدم وجود أدلة ملموسة للنفاذ من الفتوى القانونية التي استندت عليها معركة إقالة سلامة، وعدم وجود تفاهُم على البديل، ناهيك عن تحوُل هذا الملف عنصر تجاذُب بين مكونات الحكومة مع رفْض وزيريْ رئيس البرلمان نبيه بري (أحدهما وزير المال غازي وزني) منحى الإقالة حين جرى استكشاف أفقه.
والثاني خارجي في ظلّ إشاراتٍ غربية تلقاها لبنان من التهوّر في مثل هكذا قرار في حمأة الأزمة المالية، علماً أن الولايات المتحدة غالباً ما اعتبرت أن حاكمية مصرف لبنان تشكّل أحد عناصر الاطمئنان إلى امتثال بيروت للعقوبات الأميركية على حزب الله ومصادر تمويله.
واستوقف الأوساط عيْنها أن وضع سلامة في “عين الإقالة” ترافق مع تمهيد لتحميله تبعة السقوط المريع لليرة أمام الدولار والذي تسارعت وتيرته في ساعات قليلة، وهو ما اعتبر من ضمن محاولة لتأليب الشارع الغاضب ضدّه واستثمار الأرض التي تهتزّ لـ”الانتقام” السياسي من مصرف لبنان والقطاع المصرفي على خلفية ملف العقوبات، وسط تقارير إعلامية لم تتوان عن الغمز من قناة دور لحزب الله في الضغط على الليرة لاعتبارات تتصل أيضاً بالأضرار التي سبّبتْها تعاميم “المركزي” التي سعى عبرها لاجتذاب الـFRESH MONEY بالدولار، بما يؤدي إلى كبْح اقتصاد الـCASH الذي يساعد الحزب بالالتفاف على العقوبات وإبقاء الاقتصاد الموازي على نشاطه.
ومن هنا رأت الأوساطُ أن لبنان دخل مرحلةً مفتوحة على “عصف” سياسي لا يمكن تحديد آفاقه، ولا سيما مع بروز مواقف نارية من رؤساء الحكومة السابقين وشخصيات سنية غالبيتها تحدّثت أمس من دار الفتوى وعَكَستْ أن “المهادنة” معه داخل البيت السني وكذلك مع الحكومة انتهتْ، وهو ما يشي بانكشافهما الكامل في غمرة محاولات تَلَمُس طريق الإنقاذ المالي التي علقت “بين نيران” السياسة.