.jpg)
خليك بالبيت شعار أطلقته الجهات المتابعة لحملة مكافحة وباء كورونا لدرء خطر انتشاره. لكن السلطة السياسية الحاكمة استفادت منه لتحقيق مآربها السياسية لا سيما من حيث لملمة الشارع وضبضبة الناس كلهم في منازلهم بحجة انتقال العدوى الوبائية. لكن ما الذي دفع الناس إلى تجاهل سلامتهم الشخصية واستعادة زمام الأمور في الشارع؟
مما لا شك فيه أن الأزمة المعيشية استفحلت كثيراً لا سيما مع ملامسة الدولار سقف الأربعة آلاف ليرة. لكن على ما يبدو نتيجة ممارسات السلطة السياسية الكيدية أن هذا السقف سيرتفع أكثر، وسيضيق الخناق الاجتماعي أكثر على الناس. وهذا ما استشعروه لأن هذه المسألة ليست بحاجة لفلسفات سياسية تحليلية للاستنتاج، يكفي المواطن زيارة بسيطة للسوبرماركات ليلاحظ الارتفاع الجنوني بالأسعار، وما يثير الريبة أكثر تغير هذه الأسعار بين الساعة والساعة لأكثر من مرة. وذلك كله في غياب مشهود لوزارة الاقتصاد ولمصلحة حماية المستهلك.
فضلا عن أن فترة الحجر التي طاولت وسط غموض مشبوه في نتائج الاحصاءات تركت الناس قابعة في المجهول. لا يعرفون متى يُفَك أسرهم ويتحرروا من سجنهم الذي بدأ يضيق أكثر فأكثر نتيجة حجر من نوع آخر. وأعني هنا الحجر الاقتصادي الذي ألزم الناس على البقاء نتيجة خوف من لا استقرار في أسعار السلع؛ حيث هلع بعضهم لشراء المؤن وتخزينها في المنازل. فصار المواطن تحت وطأة حجْرَين، مما زاد الضغط النفسي عليه لدرجة بات فيها قادرًا على تحدي القانون وارتكاب المحظور.
لهذه الأسباب مجتمعة نزلت الناس بشكل عفوي إلى الطرقات مساء أمس معبرة عن غضبها. والسلطة السياسية كعادتها وضعت القوى الأمنية المأمورة منها بمواجهة الناس. وشهدت الشوارع من الجنوب إلى الشمال فالبقاع عمليات كر وفر انتهت على وقع دعوات لاستعادة التحركات المطلبية في صباح اليوم. وما كاد النهار بلغ ساعة ظهره حتى نزلت الناس مجددًا إلى الطرقات.
انتظر الناس هذه السلطة طيلة شهور ليحكموا على آدائها. والتزموا مقولة “خليك بالبيت” قبل جائحة كورونا. وحاولت هذه السلطة تسكين غضب الناس، تارة بمساعدة مالية من هنا، وطورًا بتطمينات اقتصادية من هناك. وفي الحالتين باءت بالفشل. الناس داقت ذرعًا وما عادت تريد أن تبقى بالبيت. السلطة السياسيذة اليوم باتت تحارب أمواتًا، أجسادًا تسير وهي ميتة معنويا. فقدت كل شيء. بالتالي “خليك بالبيت” لم تعد تخيفهم، لأنهم فقدوا كل شيء. وصارت هذه السلطة السياسية تحارب أمواتًا معنويين. لذلك هي خسرت بعد سبعين يومًا من السلطة السياسية نفسها التي ارتدت قفازات، وعادت لتمارس كيديتها نفسها التي مارستها طوال ثلاثة عقود.
المعركة اليوم لم تعد بين من يريد الحرية أو لقمة العيش أو أي شيء آخر. المعركة اليوم بين الحياة والموت. الشعارات عينها لم تتبدل منذ 17 تشرين. استقلالية القضاء، وانتخابات مبكرة، وإصلاح اقتصادي لإعادة إنتاج سلطة سياسية منبثقة من وجع الناس وفقرهم. سلطة سياسية توظف المتخصصين والكفوئين وليس المستزلمين والانبطاحيين.
وهذه المرة على ما يبدو، الناس لن تعود إلى منازلها إلا مرفوعة الرأس بوصول ثورتهم إلى مطالبها المحقة. ولن تنفع أي عملية لزج القوى الأمنية من قبل السلطة السياسية التي هي منهم وفيهم في معركة معهم. لا بد وأن تصدح كلمة الحق لأن الجوع سيكون أقوى من أوامر السلطة السياسية، وما نحن قادمون عليه سيكون مختلفًا كليا عن الجولة الأولى من ثورة 17 تشرين قبل كورونا. والأيام القليلة القادمة كفيلة بإظهار ذلك.