.jpg)
قلّة تملك خبرة وثبات سمير جعجع (كي لا ندخل في متاهة أحد او لا أحد)، من هذه “القلّة” نختار الكلام عن سمير جعجع في زمن القلة، قلة المسؤولية، قلة الإحساس، قلة الكفاءة، قلة الثقة، قلة الإدراك، قلة الإنتاجية، شاءت الظروف والأحداث أن تنصف الرجل وتاريخه وحاضره وتدحض جميع الإدعاءات والشائعات التي رافقت مسيرته ونصّبته قائداً تاريخياً خلال تدرجه في المهمات الميدانية وصولاً إلى قيادته ليدرك اللبنانيون أن مطلقي تلك الشائعات هم فعلاً من يلبسون ويمارسون تلك الصفات بالأقوال الملائكية والأفعال الشيطانية.
لا يعتمد جعجع سياسة “إجر بالبور وإجر بالفلاحة”، فقدماه ثابتتان في مساحة مبادئ تنتشر لتطاول الأراضي اللبنانية او تنحسر إلى حدود المنطقة الشرقية من المدفون إلى كفرشيما، أو تثبت قدماه مع مبادئه على مساحة ستة أمتار مظلمة عدلا ومشعّة براءة وكرامة وحريّة، إنه سمير جعجع، هو هو مذ قابلته للمرة الأولى واستمعت إليه في إحدى البلدات الشمالية (دوما) أوائل الثمانينات.
مقابل ثبات القدمين، يتمتع رئيس “القوات” بيدين متحركتين، يحمل بيمينه المصابة غصن زيتون ويحمل بيساره كتاب الثوابت، هكذا بدا في مقابلته السريعة على قناة “العربية” التي ضمّنها مقتطفات غنيّة بالمواقف اقتصرت على تحديد المواقف اليوم واختصرت خارطة طريق المستقبل.
حكومياً، يدعم جعجع الحكومة إذا أحسنت ويعارضها بشدة وقسوة إذا أخطأت، وقد فعل ذلك سابقاً، لم يحمّلها وزر الماضي ولم يأمل منها حلولاً سحرية بل ألمح إلى ضرورة أن تحسن إدارة المرحلة، جعجع أعطى حكومة خصومه فرصة لم يمنحها لنفسه ولحلفائه حين استقال وزراؤه الأوادم والفاعلين من الحكومة مع انطلاقة ثورة “17 تشرين”. يدعم جعجع بقاء الحكومة مع احترامها للتوازنات وابتعادها عن الكيدية ليس حباً بها بل استشرافاً للبديل وتداركاً للأسوأ، فزمن الحلول لم يأتِ بعد وتقطيع الوقت بالتي هي أحسن يبدو أهون الشرور.
في المعارضة، تكلّم جعجع كرئيس لحزب القوات اللبنانية، له وعليه ما له وعليه ندّياً تجاه حلفائه، التجارب السابقة تخللتها نكسات قاربت النكبات بنتائجها، وإذا كان العتب على قدر المحبة، فإن الحكيم لم يقفل الباب امام تشكيل جبهة معارضة، لا بل شدّد على ضرورتها، ولكن وفقاً لأسس جديدة وشراكة كاملة وخطوات متكاملة. وفي ذهنه، أن شعب “ثورة الأرز” لم يعد يحتمل الخيبات ولا شعب ثورة “17 تشرين” يحتمل الإستثمار في جوعه وفقره وكرامته. بدا سمير جعجع حريصاً على علاقاته التي لم تنقطع مع تيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي، لكنه ضنين بألا تذهب تضحيات الشعب اللبناني بعد اليوم هباء نتيجة تراجع البعض مهما تعددت الأسباب، فالنتيجة ماثلة أمامنا.
من يستمع إلى الأمل الذي ينشره سمير جعجع يعتقد أنه يحتفظ في خزنته بأسرار مطمئنة للغدّ، لكن الحقيقة هي أنّ بوصلته تشير إلى تاريخ من النضال والتحديات والمواجهات زالت بنتيجته جميع العوامل والظروف الطارئة والغزاة والطغاة اندحروا وبقي لبنان ووصل إلى برّ الأمان.
سر واحد وموعد أعطاه جعجع للبنانيين، اللقاء في الإنتخابات النيابية المقبلة، عسى أن تكون مبكرة كي لا تكون فرصة الإنقاذ متأخرة، أو أن تسبقها تطورات هي فعلاً في الحسبان ولو شاء البعض ألا يحسبها، إلّا أنها في البال وقد تكون خلف الباب.
