.jpg)
يعيش اللبنانيون في عصفورية لا جمهورية نظراً للتباين الحاصل والاتهامات وتلك المضادة، سياسياً وميدانياً، أضف إلى الكم الهائل من الازمات التي تعصف بهم من كل حدب وصوب، والشارع يغلي والناس لم تعد قادرة على تحمل الأعباء الاقتصادية، والدولار يتصاعد بشكل يومي والليرة تفقد قيمتها.
وتوازياً مع الدولار، ترتفع الأسعار، والسلع باتت مفقودة من المحال التجارية، والمواطن فقد عمله وأصبحت لقمة العيش صعبة المنال، والحكومة تكثر اجتماعاتها لكن كل هذه الحركة بلا بركة، إذ ان الحلول غائبة والمعالجة تقتصر على المسكنات.
وسط هذا الجنون، سُمعت أصوات الخارج في الداخل، أميركية وأوروبية، مطالبة بضرورة التسريع في الإصلاح قبل فوات الأوان، ومباشرة طرق أبواب صندوق النقد الدولي مقابل تلقي المساعدات والقروض.
وقبل أن يتوجه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى الشعب ومصارحتهم بحقيقة الوضع المالي، اليوم، استيقظ مساعد وزير الخارجية للشرق الأوسط ديفيد شنكر، قبله، وقال ما لا يريد الحاكم قوله، في حديث عبر “الحدث”، موضحاً، ان “سلامة تعاون معنا في إغلاق حسابات حزب الله”.
لم يكتف شنكر بذلك، بل وجه سهامه نحو الحكومة ملقياً اللوم على تراكم القرارات الخاطئة خلال سنوات وفي حكومات متعاقبة، وقال إنها “قرارات مالية سيئة وقرارات لم يتمّ اتخاذها، وتتعلق بالفساد وسياسات التنفيع”.
وفي السياق، قالت مصادر مطلعة في مصرف لبنان لـ”الجمهورية” انّ سلامة سيعرض لمجريات ما تعرّضت له الليرة اللبنانية من ضغوط في السنوات الأخيرة، وخصوصاً انّ السنوات الثلاث الأخيرة شهدت عمليات تحويل اموال الى الخارج بمعدل يتراوح بين 3 و5 مليارات دولار سنوياً نتيجة ضعف الثقة بالدولة في مرحلة تَلت عامين ونيّف من الشغور الرئاسي. كذلك سيتناول كلفة الدعم المقدّم للدولة اللبنانية، ولا سيما منها مؤسسة كهرباء لبنان التي بلغت كلفتها سنوياً ومنذ أكثر من عقدين من الزمن نحو مليار ونصف مليار من الدولارات سنوياً.
وفي سياق متصل، يبدو ان مخططي الهجوم على سلامة غسلوا أيديهم من خطأ دياب، إذ أكد مصدر سياسي رفيع المستوى لـ”نداء الوطن” أنّ الحكومة صرفت النظر عن موضوع إقالة حاكم المصرف المركزي، وقد تقاطعت الرسائل بهذا الخصوص للتأكيد على كون رئيس الحكومة حسان دياب اكتشف مدى فداحة الخطأ الذي ارتكبه في استهداف واتهام سلامة، في حين تولى التيار الوطني الحر إيصال رسالة إلى الأميركيين يؤكد فيها أنه لم يعد معنياً بعملية الإطاحة بالحاكم، وكذلك فعل حزب الله الذي أبلغ المعنيين عبر وسطاء بأنه لم يكن وراء هذه الفكرة أساساً، إنما كل ما يصبو إليه هو تعديل الأداء في سياسات المصرف المركزي النقدية.
وإزاء الوضع المتأزم، تبدو الحكومة لا تتمتع بالحد الأدنى للخبرة من أجل التعامل مع متطلبات الناس المنتفضة، لا بل أداؤها مخجل، وجديد حكومة دياب، فضيحة تروي ما دار خلال جلسة مجلس الوزراء يوم امس الثلاثاء، إذ علمت صحيفة “الجمهورية”، أنه اثناء البحث في القانون 154 المتعلق بالأثراء غير المشروع، سأل بعض الوزراء عن تفاصيله القانونية، وتبيّن انّ وزيرة العدل لم تكن على اطّلاع على معظم النصوص القانونية الواردة في هذه التدابير ما اضطرّها الى الخروج اكثر من مرة من الجلسة واجراء بعض الاتصالات، حتى انّ رئيس الحكومة حسان دياب سألها عما إذا “كانت عرضت هذه التدابير على نقيب المحامين”؟.
وهنا علّق الوزير ميشال نجار قائلا لها، “يجب ان نحافظ على صدقيتنا، ولا يمكن لنا مصادرة قوانين وتَبنّي قوانين ليست من صلاحياتنا وتتضارب مع السلطة القضائية، عندها تدخلت نجم، “يمكن ان تكون هناك امور غير قانونية في هذه التدابير، ولكن مجرد اعلانها الى الشارع سيشعر اننا نقوم بالإصلاحات وهذا شيء جيد وسيفتح باباً للنقاش”. فعلّق نجار قائلاً لها، “مش شغلتنا نكذب عالناس، يجب ان نقوم بما هو مُتاح لنا ضمن صلاحياتنا”.
من جهتها، علقت مصادر حزب القوات اللبنانية على الاحداث التي شهدتها طرابلس والمناطق الأخرى من احتجاجات، وصوبت على أداء الحكومة معتبرة ان نزول الناس إلى الشارع مجدداً، هو بمثابة الإنذار الذي على الدولة أن تتعامل معه بجدية عن طريق الإعلان عن خطوات مالية وإصلاحية فورية تعيد الثقة للناس التي فقدت الأمل بكل شيء، وحذارِ من الناس الجائعة التي تبحث عن لقمة خبز لأولادها، ومن هنا ضرورة أن تكون خطة الحكومة المالية عملية ووفق جدول زمني تنفيذي قابل للتحقيق وبشكل سريع جداً، بحسب ما ورد عبر “الديار”.
ودعت المصادر إلى “ضرورة تركيز الجهود على الإنقاذ المالي كسبيل وحيد لتجنيب لبنان الفوضى التي بدأت تطلّ برأسها بسبب الغضب الشعبي والقلق على المصير وغياب الأفق، إذ لم يعد للناس ما تخسره بعدما فقدت وظائفها وباتت مَتروكة لقدرها، كذلك دعت المصادر إلى عدم التأخير في عقد الاتفاق بين الحكومتين اللبنانية والإلمانية لحلّ أزمة الكهرباء من خلال شركة سيمنز” بعيداً من أي حجج وذرائع وأعذار تخلق في اللحظات الأخيرة من أجل إبقاء الوضع الكارثي على ما هو عليه، لأنّ إقفال هذا الملف يؤدي إلى ترييح الخزينة من عبء يتحمّل الجزء الأكبر من العجز والمديونية”. وأكدت انّ “الخطوات العملية يجب ان تبدأ من الكهرباء والاتصالات وإقفال المعابر غير الشرعية، ولا تنتهي بضبط المرفأ والجمارك والقطاع العام”.
خارجياً، بعثت باريس رسائل عدة باتجاه بيروت، اذ أوضحت مصادر فرنسية متابعة للملف اللبناني لـ”نداء الوطن” أنّ الرسائل التي أرادت باريس توجيهها للحكومة اللبنانية، والتي تم تلخيصها في الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان ورئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب، انه ينبغي أن تكون أولويته إنجاز خطة انقاذ إصلاحية وهذا ما تنتظره الأسرة الدولية منه، مع التشديد على أنّ البلد أضاع وقتاً طويلاً في الخلافات الداخلية السياسية العقيمة.
ومن الرسائل الباريسية أيضاً، وجوب “إصلاح الدولة وتحسين أداء مؤسساتها باعتبارها إجراءات قد تعطي مصداقية للحكومة، خصوصاً أمام الشارع اللبناني الذي انتظر طويلاً ومطالبه شرعية وبالتالي ينبغي أن تبادر الحكومة إلى إرضاء الشعب المتظاهر”.
مالياً، تبدو الحكومة غير قادرة على قبح فرامل الدولار، اذ كشفت مصادر وزارية لـ”نداء الوطن” عن أنّ هذه الورقة ستتضمن توجهاً نحو إعادة تثبيت سعر صرف الليرة عند حدود لا تتجاوز الـ3000 ليرة للدولار، لافتةً إلى أنّ المساعي المبذولة في هذا المجال تطمح إلى الوصول بسعر الصرف إلى مستويات أقل قد تصل إلى ما يقارب الـ2600 ليرة للدولار، بغية إحداث صدمة إيجابية في الشارع تبرّد أرضية الأزمة المستفحلة مع الالتزام بوضع جدول زمني تطبيقي لذلك لا يتخطى العشرة أيام.
وسط هذه المعمعة الحاصلة يكسر الارتفاع الجنوني للأسعار في الأسواق اللبنانية ظهر الأسر اللبنانية. والأوضاع المعيشية الخانقة بلغت حدود الكارثة لدى معظم فئات الشعب اللبناني، وسط انعدام أي رقابة جدية من قبل الحكومة والسلطات المختصة، اذ اوضح الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “السلة الغذائية بالحد الأدنى الأساسي لأسرة مؤلفة من 5 أفراد كانت 450 ألف ليرة لبنانية شهرياً، فأصبحت حتى أول نيسان الحالي 800 ألف ليرة، أي بارتفاع 78%. وبعض السلع ارتفعت أسعارها 100% و125%، لكن المستغرب أكثر ارتفاع أسعار أخرى 20 و25% علماً أنها منتجة محلياً”.
وكشف لموقعنا عن أن “أسعار بعض السلع في أسواق الجملة رخيصة لكنها باهظة في أسواق المفرق، تحديدا الفاكهة والخضار. كيلو الخيار مثلاً في سوق الجملة بـ500 أو 750 ل. ل بينما في سوق المفرق بـ2000 أو 2500 ل.ل، وقياساً، كافة أنواع الخضار مثل البندورة والبطاطا والبصل وغيرها”، لافتاً إلى أن “هذه السلع يحدد القانون نسبة الربح فيها بـ15% بينما التجار يربحون 100% وأكثر. فإن كان هناك بعض السلع يرتبط ارتفاعها بارتفاع الدولار ويصعب مراقبتها، لكن السلع المنتجة محلياً تُرفع أسعارها بنسب خيالية تظهر التقصير في الرقابة من قبل السلطات المعنية”.