النفط بلا ضوابط… سيناريو الانهيار قد يتكرر في أيار

دعونا في البداية نوضح أن النفط ليس من السلع المشمولة بنظام دولي، كمنظمة التجارة العالمية التي تهندس التجارة الدولية في كل السلع، اذ ان الولايات المتحدة الاميركية اصرت عند تأسيس المنظمة المشار اليها على عدم اعتبار النفط سلعة بل اداة استراتيجية لسياساتها. وبالتالي يبقى النفط ساحة تجاذبات سياسية واستراتيجية لا تخلو من صراع المصالح واستخدامه اداة استراتيجية في النزاعات.

كما يجب ان نذكر أن اللاعبين الاساسيين في ساحة النفط الدولية هم: الولايات المتحدة، وروسيا، والسعودية من خلال منظمة اوبيك وتكتل اوبيك بلاس، علما ان هذه المنظمة لا تتعاطى شؤون تسعير البرميل بل فقط انتاجه. ومع ذلك لا بد من توصيف ما حدث أخيراً من ظاهرة خطيرة نجم عنها زعر وتوجس عالميين.

في 20 نيسان الحالي، تحقق على ارض الواقع مبدأ اقتصادي معروف بموجبه عندما يكون المعروض من سلعة ما أكثر من المطلوب تنحدر اسعار السلعة وتنهار. كأي تاجر عندما لا يجد اسواق تصريف لبضائعه ولا من يشتري منه يبادر الى عرض البيع بالسعر البخس ويدفع فوق ذلك للشاري كلفة نقلها وتخزينها. هذا بالتحديد ما حصل منذ عشرة ايام وهذا ما هو مرشح ان يعود ويحصل مرة ثانية في شهر ايار المقبل، وفقا لما سنعرضه.

ما حصل في 20 نيسان الحالي، أي انهيار اسعار النفط الاميركي الى سالب (معدل سلبي)، لأن البائعين كانوا مستعدين، وبسبب ندرة الطلب على السلعة، تم سليم البرميل مجاناً وتحمل نفقة نقله وتخزينه ايضا لتشجيع الشاري على التسلم في ظل عدم الحاجة للسلعة. ولو لم يفعل البائع ذلك لكان وجد نفسه مضطرا لتحمل رسوم تخزين البرميل الباهظة.

من المتعارف عليه ان حالة كتلك التي حصلت أخيراً لم تحصل يوما منذ لحظة نشوء ما يسمى العقود الآجلة والتي تم تداولها اعتبارا من سنة 1983 في بورصة نيويورك (نايمكس). فما حصل في ذلك اليوم ان منتجي النفط وبائعيه كانوا بحاجة للتخلص من السلعة حتى ولو اضطروا لتحمل كلفة التسليم والشحن والتخزين، فأكثر العقود الآجلة للسلع تداولا هي عقود النفط.

اولا: للعلم، العقود الآجلة هي بمثابة اتفاق بين بائع وشاري على كمية محددة من النفط بسعر محدد وبتاريخ محدد في المستقبل يتم تسليمها وتسديد ثمنها، وهذا التاريخ المستقبلي للتسليم هو الذي تتم فيه تسوية العقد الاجل ويسمى هذا التاريخ (تاريخ انتهاء الصلاحية)، واصطلح على ان يكون هذا التاريخ في الخامس والعشرون من الشهر الذي يسبق شهر التسليم بثلاثة ايام عمل.

وبالعودة الى ما حصل أخيراً، يوم التسوية لشهر ايار المقبل كان بتاريخ 21 نيسان الحالي كما سيكون يوم التسوية 19 أيار المقبل لعقود تسليم شهر حزيران المقبل.

ثانيا: استخدام العقود الآجلة يكون عبر وسيلتين:

1 – التحوط: وتلجأ اليه الشركات التي تستخدم النفط في انتاجها وعملها كما شركات الطيران، فتحتاج تلك الشركات لتأمين احتياجاتها من النفط بأسعار متدنية عما هي عليه من خلال اللجوء الى شراء عقود آجلة عندما تكون الاسعار منخفضة، وتحتفظ بالعقود حتى يوم التسوية، إذ تستلم النفط فعليا بالسعر المتفق عليه.

2 – المضاربون التجاريون: هؤلاء لا يتداولون بالعقود الآجلة الا على الورق، إذ ليس هدفهم الاستحواذ على السلعة او تسلمها على ارض الواقع بل يقتصر عملهم على التداول على الورق بالأسعار والكميات، وكل هدفهم جني المال من تقلبات الاسعار فقط.

وما حصل بالنسبة لهم في 20 نيسان قبل انتهاء صلاحية العقود الآجلة الا أحد اشترى السلعة بسبب عدم وجود اماكن تخزين، وبالتالي لم يتمكن المضاربون من بيع السلعة قبل انتهاء صلاحية العقود الآجلة، ما يضطرهم الى استلام مادة النفط فعليا على الأرض، الامر الذي يلحق بهم الخسائر الفادحة. علما ان المضارب الذي يشتري عقدا اجلا يدفع نسبة ضئيلة من قيمة العقد على امل بيع العقد قبل انتهاء صلاحيته لان المهم له فرق تقلبات الاسعار لا شراء المادة.

من هنا، وبما انه لم يعد امام المضاربين سوى استلام النفط لعدم وجود شار ولأن العقد الآجل لتسليم شهر ايار انتهت صلاحيته في 20 نيسان، فإنهم تخلوا عن النفط ودفعوا فوق ذلك رسوم تخزين عالية.

ثالثا: يخزن النفط في العالم اما بصهاريج فوق سطح الارض (كما في مدينة كوشينغ الاميركية) واما في كهوف ملحية في باطن الارض واما في سفن عملاقة تجثو في عرض البحار.

العالم يمتلك سعة تخزينية للنفط مقدرة بـ900 مليون برميل. وقدرة الاميركيين على التخزين محدودة (70 مليون برميل في الاحتياطي الاستراتيجي)، وقدرة الصين على التخزين (250 مليون برميل)، وقدرة جنوب افريقيا واليابان وكوريا الجنوبية ومدينة كوشينغ الاميركية (40 مليون برميل). والمشكلة ان أكثر من 350 مليون برميل من أصل الـ900 مليون اعلاه سيملأ المخازن بحلول شهر حزيران المقبل فيما الباقي سيتم تخزينه في الاشهر المقبلة.

وسبب ازمة 20 نيسان ان اميركا تعاني من مشكلة تخزين لان مخازن كوشينغ شارفت على الامتلاء، إذ طاقة تخزين النفط فيها 76 مليون برميل وحاليا المخزون الفعلي 55 مليون برميل فيما يتدفق الى مخازنها يوميا 745 الف برميل فيما تعتبر هذه الكمية اكبر من استهلاك قارة اوروبا.

أضف الى ذلك ان مدن التخزين الاميركية بعيدة عن السواحل البحرية ما يزيد من كلفة نقل النفط (المسافة بين مدن التخزين والبحر 800 كلم)، عكس مثلا نفط بحر الشمال البعيد عن البحر 500 متر، كما ان معدل ايجار الناقلات ارتفعت مع تحولها الى مخازن عائمة إذ بلغت قيمة ايجار الواحدة العملاقة 100 الف دولارا اميركيا يوميا. فهذه الاسباب تفسر اختلاف اسعار الخام الاميركي بالنسبة للنفط الاخر المنتج خارج الولايات المتحدة الاقل سعرا وكلفة.

من هنا التخوف الكبير من ضيق القدرات التخزينية للنفط والتي إذا بلغت الحد الاقصى ستغرق العالم كله بأزمة مماثلة لأزمة 20 نيسان.

وفي نهاية شهر ايار المقبل ستمتلئ جميع صهاريج تخزين النفط ما سيؤدي الى حصول كارثة اخرى ما لم يتحسن العرض والطلب الى ذلك الحين، ومن المحتمل جدا ان العقود الآجلة بتسليم شهر حزيران المقبل والتي يتخطى سعرها 20 دولار للبرميل، يحصل فيها نفس الهبوط الكبير في السعر قبل موعد التسوية في 19 أيار المقبل كما حصل في 20 نيسان.

رابعا: ضيق التخزين للنفط يعود الى وجود رهان كبير من التجار بزيادة الطلب على النفط بعد تحرر العالم من كورونا وعودة الاقتصادات العالمية للعمل، ما يبعث الأمل من عودة ارتفاع معدلات الطلب على السلعة، كما يعود ايضا الى التخمة في المعروض النفطي مقابل تراجع الطلب بفعل ازمة كورونا العالمية. مع ان الانتاج لا يزال يصل الى 100 مليون برميل نفط يوميا من الخزانات العميقة تحت سطح الارض كما في مقابل سواحل غيانا والنروج وديلتا النيجر وتكساس (للخام الصخري) وسيبيريا بسبب استمرار النفط في التدفق، من دون ان ننسى تداعيات الصراع الروسي ـ السعودي الاخير من زيادات جنونية في كميات الإنتاج، وبالتالي مزيد من الضغط على المخزون اي المعروض.

خامسا: لا يمكن تقنيا اقفال الابار وتوقيف الإنتاج، كما ان اعادة عملية تشغيلها مكلف جدا كما يمكن ان يؤدي التوقف الى تلف الخزان النفطي او البئر. وأكبر ضحايا هبوط اسواق النفط العالمية النفط الصخري الأميركي. وأعلنت شركات عدة حالة افلاسها على الرغم من محاولة الرئيس الاميركي دونالد ترمب دعم الشركات بشراء مخزونها لصالح تعزيز الاحتياط الاستراتيجي الأميركي، الا ان الكونغرس رفض.

كورونا غيرت شكل العالم وتحديدا شكل الاسواق المالية بعمق، فأسعار النفط لم تعد تحتسب على اساس كلفة الانتاج فقط بل تتعداها الى كلفة الخدمات اللوجستية وتكاليف التخزين ما سيزيد من معاناة الآبار غير الساحلية كما في اميركا، كما ان الطلب على النفط سينخفض عما كان عليه في عالم ما بعد كورونا مع استغناء الانسان عن العديد من الانشطة التي كانت تحتاج للنفط (سفر اقل، العمل عن بعد، تقريب سلاسل التوريد الى المنازل للطلبيات…)

ويبقى النفط مع ذلك كله اداة صراع سياسي واستراتيجي بيد الكبار، لا قوانين له ولا ضوابط.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل