
فرمل دخول مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر على الخط، هجوم السلطة الحاكمة على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بهدف إزاحته من منصبه على خلفية تحميله مسؤولية الانهيار النقدي والمالي. وراح أركان السلطة يتسابقون لإيصال الرسائل إلى الأميركيين، كل على طريقته، وغسل أيديهم من “طلب رأس سلامة”، من رئيس الحكومة حسان دياب إلى رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل وصولاً إلى حزب الله، كما تشير المعلومات.
مواقف شنكر أربكت السلطة. وقوله إن “حاكم مصرف لبنان تعامل معنا في إغلاق حسابات حزب الله، ملقياً اللوم في وصول لبنان إلى هذه الأزمة التي يتخبط فيها على تراكم القرارات المالية الخاطئة والسيئة خلال سنوات وفي حكومات متعاقبة، بالإضافة إلى قرارات لم يتمّ اتخاذها تتعلق بالفساد وسياسات التنفيع”، جعل تحالف السلطة يعيد حساباته ويعد للمئة قبل مواصلة الهجوم. واللافت إطلاق شنكر لمواقفه، مستبقاً إطلالة سلامة، ظهر أمس الأربعاء، وردّه على الاتهامات التي سيقت ضده مبرراً قراراته”.
مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية الدكتور سامي نادر، يوضح، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “مشكلة الهجمة على حاكم مصرف لبنان هي في مَن يهجم، لا في أحقية الهجمة. فمن يهاجم الحاكم، من الواضح والمفضوح أن لديه أجندة سياسية، ويحاول رمي التهمة على فئة واحدة، ويظهر ذلك حتى في مقاربة الحكومة للأزمة المالية، أي أن من يهجم على سلامة يقوم بذلك تحت غطاء طربوش الحكومة”.
ويشير نادر إلى أن “مقاربة الحكومة للمعضلة والأزمة الاقتصادية تركز على جزء واحد فقط، النقدي والمصرفي، حتى في الشكل. فخطة الحكومة المسربة للإنقاذ المؤلفة من 16 صفحة، بينها 12 صفحة تركز فقط على الموضوع النقدي، فأين باقي الإصلاحات؟”.
ويؤكد أن “الناحية النقدية بحاجة إلى إصلاح طبعاً، ويجب فتح ورشة كبيرة في هذا الإطار. لكن أين ورشة الإصلاحات الباقية؟ أين الإصلاحات التي أتى على ذكرها مؤتمر سيدر والتي تشكل مفتاح الحل لأنها مفتاح تدفق المساعدات الدولية”.
ويسأل، “إذا كان لدينا خزان مثلا يسرّب المياه على سطح المنزل، نقوم طبعا بصيانته أو تغييره، لكن إذا كانت حنفيات المياه في المنزل مفتوحة ألا نقوم بتسكيرها؟ بالتالي، أي إنجاز نكون حقّقنا إذا قمنا فقط بإصلاح النظام النقدي والمصرفي، وأبقينا المالية العامة على حالها؟ والكهرباء، ونظام التقاعد، وعدد موظفي القطاع العام؟ وكذلك يبقى الإنفاق الحكومي 19 مليار دولار سنوياً أي 35% من الناتج المحلي؟”.
ويضيف الخبير الاستراتيجي ذاته، “هذا على الصعيد الداخلي. أما بالنسبة إلى الشق الخارجي، فيعتبر الأميركيون أن هناك ركيزتين في سياساتهم تجاه لبنان: دعم الجيش والقطاع المصرفي”.
ويشير إلى أن “حزب الله من ضمن اللعبة، وفي لعبة الرد على أميركا الهاجمة على إيران والتي تصعّد موقفها، خصوصاً بعد إطلاق القمر الاصطناعي الإيراني العسكري. ما يعني أن العملية لم تهدأ ولم تسكتها أزمة تفشي كورونا، لا، هناك تصعيد على مستوى العلاقات الأميركية ـ الإيرانية. بالتالي، الهجمة على مصرف لبنان لا يمكن إخراجها من إطار التصعيد الحاصل بين واشنطن وطهران”.
ويشدد نادر على أنه “بما يخصّنا، لا نريد تبرير رياض سلامة، ولا نريد ابتلاع اللعبة التي يلعبونها. فسلامة، على الرغم من كلام شنكر، يتحمل مسؤولية تمويل الطبقة الفاسدة الحاكمة، وكان بإمكانه أن يقول لا أقبل، ولا أحد أجبره على القيام بالهندسات المالية بهذه التكلفة”. ويضيف، “حتى لو كان مضطراً إلى ذلك، لكن مصرف لبنان كمؤسسة لم ينشر حساباته منذ 5 سنوات”.
ويرى أنه “في السياسة، سلامة شريك في المسؤولية. هو ليس المسؤول الأول، لكن الثاني، إذ موَّل الفساد، أو على الأقل تساهل في ذلك. أما المسؤول الأول فهو السلطة السياسية التي عيَّنته، فالشعب اللبناني لم ينتخب حاكم مصرف لبنان ولا انتخب مدراء المصارف، بل انتخب النواب الذين أتوا بالحكومات، بالتالي الشعب يحاسب من انتخبهم. من هنا مسؤولية الطبقة الحاكمة التي عيَّنت سلامة حاكماً، وعادت ومدَّدت له مرة ومرتين، ومرة ثالثة العام 2018 عادت القوى السياسية ذاتها الموجودة اليوم في الحكومة ومددَّت له. بالتالي هم يتحملون المسؤولية، حتى عن السياسة النقدية التي كانت متَّبعة”.
ويشدد نادر على أنهم “لو لم يكونوا موافقين على سياسة سلامة النقدية، لما تبنَّتها كل الحكومات المتعاقبة وصولاً إلى الحكومة الحالية، والتي كانت تصرّ على تبني سياسة مصرف لبنان من حيث تثبيت سعر صرف الليرة. سلامة مسؤول، لكن هناك مسؤول فوقه والشعب اللبناني في موقع محاسبته، وهو السلطة السياسية المنتخبة”.
ويضيف “منظومة لصوص الهيكل هذه أثرت على حساب الشعب اللبناني، وكلهم كانوا سوية في شهر عسل”. ويلفت أيضاً إلى أن “المشكلة هي في، مَن يحاسب مَن؟ فأين مصداقية من يريد محاسبة سلامة من أهل السلطة وتطييره؟ هل قاموا بالإصلاحات المطلوبة في بيتهم قبل النزول لإصلاح القطاع المصرفي؟ هل أنجزوا التعيينات القضائية والمالية والإدارية بمعايير الكفاءة والشفافية؟ وسائر الإصلاحات في مكامن الهدر والفساد، وفي التهريب والمعابر والجمارك والاتصالات والكهرباء وغيرها؟”.
