.jpg)
انتهت مرحلة الوقت الضائع وبدأ الجدّ بعد توقيع رئيس الحكومة حسان دياب ووزير المال غازي وزني طلب مساعدة صندوق النقد الدولي للبنان. وعلمت “النهار” أن شرطا أساسيا كان وضعه حملة سندات “يوروبوند” قبل الجلوس على طاولة المفاوضات مع لبنان ووصل إلى مسامع المعنيين، وهو احتكام الحكومة إلى برنامج صندوق النقد. لا تزال البلاد في مرحلة الإقلاع نحو رحلة لا يجب الاستخفاف بمراحلها، فيما تكمن الخطوة الأولى المقبلة في استجابة “الصندوق” لطلب الحكومة اللبنانية ومن ثم الاتفاق على أسس البرنامج وشروطه التقنية المسبقة المشترطة لمنح القروض قبل الانتقال إلى مرحلة شروط مجلس إدارة الصندوق التي قد تحمل أبعادا سياسية.
ويمكن الدولة اللبنانية أن تفاوض على الشروط التقنية، لكن يترجم الفارق بين طلب برنامج من الصندوق وطلب المشورة التقنية في أن الصندوق يصدر القرار في الشروط التي يعتبرها مناسبة عند طرح برنامجه، ويتوجب على لبنان حينذاك تنفيذ الشروط المطلوبة مسبقا قبل ضخ الأموال. ولا يمكن الحكومة اختيار الشروط التي تريدها باعتبار أن طلب البرنامج ليس مجرد مهمة استشارية، علما أن صندوق النقد يحتكم إلى الليونة في الاستماع إلى رؤية الحكومة اللبنانية والاستماع إلى طروحها.
كان الوزير السابق كميل ابو سليمان من أبرز الذين استشرفوا المرحلة الراهنة إذ دعا في فترة سابقة إلى ضرورة الاتجاه نحو صندوق النقد انطلاقا من دوره التمويلي للبحث معه في إمكانية مساهمته في وضع حلول للأزمة المالية التي يمر بها لبنان، كما دعا الى ضرورة تطبيق “الكابيتال كونترول” وعدم سداد مستحقات سندات “يوروبوند”. وهو يقول في حديث الى “النهار” إنه “لا بد من أن يعتمد الصندوق شروطا جدية مبنية على إصلاح بنيوي، باعتباره الوجهة الكفيلة بضمان تنفيذ الإصلاحات البنيوية التي من غير السهل أن تنفذ من دون رقابة الصندوق وشروطه. ويُعتبر تعديل سعر صرف الليرة حتميا ولا شك في أنه شرط أساسي يفرضه الصندوق. وقد أقرت الحكومة اللبنانية في خطتها الاقتصادية بضرورة أن يتحول سعر صرف الليرة مقابل الدولار إلى 3500 ليرة والحديث عن عدم رفع سعر الصرف غير جدي خصوصا أن خطة الحكومة مبنية على هذه القاعدة بما فيه تغيير طريقة احتساب سعر الصرف في وقت لاحق”.
ويرى أنه “لا يمكن توقع الشروط التي قد يطلبها صندوق النقد مسبقا، لكن العبرة المستقاة من تجارب سابقة (مصر مثلا)، تشير إلى طلب الصندوق تحرير سعر الصرف وزيادة الضريبة على القيمة المضافة وخفض دعم قطاع الكهرباء. وأتمنى شخصيا أن يطلب الصندوق شروطا بنيوية كاعادة هيكلة القطاع العام وإلغاء التوظيف غير الشرعي وطلب تعديل هيكلية الجمارك التي تعثرت الحكومات السابقة في عملية تنفيذها. ولا بد من إضفاء تعديلات على نظام التعويضات في القطاع العام. ويمكن فرض الرقابة على المعابر غير الشرعية، وهي جميعها من بين البنود الاكثر صعوبة في أن تسلك طريقها التنفيذي بما يحتم أهمية رقابة الصندوق على تحقيقها”، مشيرا الى أن “الإجراءات التي يمكن أن يعتمدها الصندوق في حال اشترط ضبط المعابر غير الشرعية والمرافق الحيوية ترتبط بالخطة والتي يمكن أن يقترحها في هذا الشأن، ومنها على سبيل المثال انتشار الجيش اللبناني ووضع أجهزة سكانرز حديثة للمراقبة… ويبقى العنصر الاهم في تأكد الصندوق من جدية الرقابة على المعابر على اختلاف الإجراءات التنفيذية التي يراها مناسبة لهذه الغاية، ذلك أن هذه المؤسسة الدولية تعتبر جدية في بلورة خطة محكمة تضمن تنفيذ شروط تطبيقية، في ظل معرفة مسبقة بعدم قدرة الدولة على تفعيل إجراءات رقابية من تلقائها. ويمكن أن يحتكم الصندوق أيضا الى تعيين مراقب دولي مهمته الرقابة على عملية صرف الأموال في وزارة المال”.
كان يتوجب على لبنان أن يلجأ الى الصندوق قبل سنة، بما كان من شأنه أن يقطع الطريق أمام تفليسات كبيرة ويوقف نزف اقفال شركات وخسارة فرص العمل، في مقاربة أبو سليمان، لافتا الى أنه “كان يمكن الاحتكام إلى الصندوق عندما كان سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار يساوي 2000 ليرة بدلا من انتظار انزلاق الأوضاع إلى ما آلت إليه راهنا. لم تكن البلاد تملك ترف الوقت لكن هدر الفرص مسألة خطيرة في لبنان، فيما ارتفع الطلب على القروض والمساعدات اليوم في ظل جائحة الكورونا. ويبقى العنصر الاهم اليوم في ضرورة تفعيل إصلاح جذري ومستدام لأن الإصلاح الجزئي يؤدي إلى الدخول في دوامة التعثر نفسها بعد سنوات”.
ويقول إنه “يمكن ألا يتوصل الطرفان إلى اتفاق على البنود التقنية اذا لم توافق الحكومة على الشروط التقنية المعروضة من صندوق النقد ويمكن أن يعمد مجلس إدارة الصندوق في مرحلة لاحقة إلى فرض شروط سياسية، لكن مهما اختلفت انطباعات الدولة اللبنانية حول الشروط، إلا أن طريق الحل الوحيد منذ سنة ولغاية اليوم هو صندوق النقد وفي رأيي ما من حلول أخرى”.
تكمن الخطوة الأهم في الشروط التقنية التي يعتمدها “الصندوق” في ظروف البلاد الطبيعية وهي تعتبر خطوة أكثر صعوبة من شروط مجلس الإدارة، لكن وضع لبنان له خصوصيته بسبب “حزب الله” وهذه الخصوصية غير حاضرة في دول أخرى. ومن هنا يشير ابو سليمان إلى أنه “في أي حال تكون الدولة قد قامت بواجباتها، خصوصا أن تبديل وضع الحزب لن يحصل بين ليلة وضحاها. وقد كنت على يقين بأن حزب الله سيقبل بالاحتكام الى الصندوق ولن يعارضه في النهاية واعتقد أنهم يعلمون جيدا إلى أين هم ذاهبون”.
وعن سعر صرف الليرة، يرى أن “تصاعد سعر الصرف بشكل مستمر ليس أكيدا وبحسب الخطة سيجري اعتماد سعر صرف مرن وليس بالضرورة أن يرتفع سعر الصرف في السنوات المقبلة إلى سقف أعلى من عتبة 4 آلاف ليرة. هناك تسليم برفع سعر الصرف، ومن الواضح أن المعادلة تبدلت منذ دعم مصرف لبنان سعر ثلاث سلع أساسية. ولا أعلم كيفية حصول التلاقي بين سعر السوق والسعر الرسمي بعد تحرير سعر الصرف، ولكن لا بد من أن تحد الاجراءات من الفارق بين السعرين”.
ويخلص إلى أنه “يمكن أن تستمر المدة الزمنية لايفاء القروض الممنوحة مدة 5 سنوات. ويُستخدم الصندوق في موضوع إعادة هيكلة الدين للضغط الى التوصل الى اتفاق مع حملة السندات الذين يفضلون الاحتكام الى ضمانة صندوق النقد لأنهم يتأكدون حينذاك بأن اموالا ستضخ في البلاد ما يحضهم على القبول بالخطة الجديدة لإعادة الهيكلة”.