من يحاسب حزب الله؟

اما وقد أرادت حكومة حسان دياب طرق باب فتح ملفات الفساد والهدر وتحميل الحكومات السابقة ومصرف لبنان والمصارف مسؤوليات الهندسات المالية، وكي لا يبقى المسعى مجزأ ولا يغيب المسبب الحقيقي من مشهدية المحاسبة، لا بد من القول والتأكيد إن حزب الله يتحمل اولى المسؤوليات الاساسية في تدهور الوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي في البلاد، نتيجة تراكم ارتكابات وتصرفات وشوائب وسياسات ساهمت بشكل مباشر وكبير في تصاعد الخطر وتسريع الانهيار.

حزب الله الذي اعتمد في مرحلة سابقة خلال السنوات المنصرمة استراتيجية القضم مرحلة بمرحلة، منذ ادراكه خطورة ثورة 14 اذار عليه وعلى اجندته المحلية والإقليمية، اراد من خلال حلقات الحوار في مجلس النواب العام 2006 استيعاب الصدمة السيادية التي سببتها ثورة الاستقلال الثاني، حتى عندما تيقن ان رئيس البرلمان نبيه بري قادر على تدوير الزوايا مع الخصوم السياسيين، تسبب في حرب تموز الشهيرة، ظناً منه الا صوت يعلو فوق صوت المعركة مع العدو الاسرائيلي.

وعندما أدرك الحزب خطورة المأزق الذي وضع لبنان حكومة وشعباً فيه، لجأ الى لعبة البحث عن تثبيت مكاسبه الميدانية ترجمة سياسية بإحكام سيطرته أكثر فأكثر، ورويداً رويداً على مفاصل الدولة، فانتقلت البلاد من أزمة الى أزمة بدأ بتعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية مرورا بهجمة 7 ايار وصولا الى اتفاق الدوحة الذي كرس بصورة شبه دستورية وشرعية مثالثة مقنعة تحت شعار الديمقراطية التوافقية الميثاقية. ضُرب الدستور عرض الحائط لأنه لا يتكلم الا عن مناصفة بين المسلمين والمسيحيين لا مثالثة ومرابعة.

هذه “الخضات” المتتالية زعزعت تحالفات 14 اذار، فانفرط عقدها ما اتاح للحزب التفرد بالرئيس سعد الحريري في معادلة سميت في ما بعد بالتسوية الرئاسية، والتي ترجمتها ترك هامش للحريري كرئيس حكومة مقابل تنسيق كامل بينه وبين الحزب والوزير السابق جبران باسيل.

ثم جاءت الانتخابات النيابية عام 2019 وسيطر الحزب أكثر فأكثر على البرلمان وبالتالي على السلطتين التشريعية والتنفيذية بأكثريات تحالفية لا تزال مستمرة حتى هذا اليوم.
حتى تلك المراحل كانت سياسات الحزب تزيد من تفاقم الدين العام بفعل تعطل الحياة الانتاجية واجواء القلق والخوف من الغد، وتدمير لبنان بعدوان تموز 2006 واستنزاف خزينة الدولة استدانة من هنا وهناك وهبات وودائع، فيما البلاد مشلولة لا افق اقتصادياً او مالياً، والمصارف تستنزف بطلبات الدولة تمويلها عبر مصرف لبنان والاخير يستمر في تلبية حاجات الحكومات للاقتراض على قاعدة “طالما هناك باريس 2 وباريس 3 وسيدر فيمكن استعادة الاموال واستردادها من الدولة المدينة بدين داخلي وخارجي كبير”.

في هذه الاثناء، كان الحزب يحكم السيطرة على المرافق العامة البرية والبحرية والجوية ويمرر البضائع من دون دفع القيمة المضافة والضرائب الجمركية، ما أفلس التجار اللبنانيين الآخرين وضرب مبدأ العدالة والمساواة في المنافسة، ومنع عن خزينة الدولة كميات كبيرة من عائدات الضرائب وتدني العائدات الجمركية منها، في نفس الوقت الذي فيه كان يحمي فساد حلفاءه ومعارضيه من اهل السلطة مجتمعين مقابل حماية سلاحه.

زاد تورطه في حروب متتالية عام 1993، 1996، 2000، 2006، و7 أيار، تعطيل الوسط التجاري وإقفاله لسنوات طويلة، ما راكم ديون إضافية لإعادة الإعمار والفوائد المتراكمة عليها فيما كان خلال هذه الفترة، وفوق كل ذلك، يقوم بشراء الوقود والنفط للنظام السوري وحاجاته بدولارات السوق اللبناني وباعتراف الجميع، حتى باتت الكمية التي نستوردها من الخارج تعادل 4 أضعاف حاجات السوق اللبناني.
ثم اتت مرحلة ضرب علاقات لبنان مع العالم العربي بتصريحاته واتهاماته وشتائم حلفائه التي املاها اصطفافه واياهم الى جانب المحور الإيران ـ الاسدي، وما خلفته هذه الهجمات من حجب الدعم الاقتصادي والمالي العربي والخليجي للدولة، فضلا عن فقدان عدد من اللبنانيين المغتربين الوظائف في دول الخليج وتجميد منح تأشيرات دخول او زيارة او عمل في بعضها حتى يومنا هذا، وأدى ايضا الى منع تحويل العملات الأجنبية من المغتربين الى لبنان، او الحد منها في أفضل الاحوال.

فلما كان اقتصاد لبنان مبنياً على السياحة والخدمات بالدرجة الأولى، تعطل قطاع السياحة باختطاف الرعايا العرب ومهاجمة بلادهم والدخول في حروب مباشرة معهم، أكان في اليمن او البحرين او العراق او سوريا، مما اوقف تدفق الرعايا العرب والاموال العربية الى لبنان وأدى الى ضرب القطاع الفندقي والمطاعم وغيرها.

ومع اشتداد العقوبات الاميركية والدولية عليه، وضع البلد تحت حصار اميركي غربي قاتل، ما دفع السلطات النقدية وعلى راسها مصرف لبنان الى التعاون مع الاميركيين والتجاوب والتنسيق مع العقوبات التي فرضتها واشنطن والاحتياطي الفدرالي على الحزب ومصالحه في لبنان والمنطقة، ما ادى بدوره الى ولادة سوء التفاهم لا بل الخصومة بين الحزب والحاكم رياض سلامة منذ ذلك الحين اعتبارا من العام 2015.
وعندما احكم سيطرته على كافة مقدرات الدولة ومداخيلها (المرفأ، المطار، الحدود البرية والمعابر غير الشرعية وعدم تسديد الضرائب والرسوم للدولة في مناطق نفوذه) اصطدم بآخر معلمين صامدين ومقاومين لخطته ببسط السيطرة الكاملة على الدولة ومؤسساتها: القطاع المصرفي والجيش اللبناني.
الحزب غير آبه يستكمل مخطط سيطرته على البلاد وجرها الى حضن المحور الإيراني ـ الاسدي، في المنطقة خدمة لمشروع طهران، وهو بكل ماضيه السياسي والعسكري والميداني، ومواقفه ودعمه لحلفائه، من يتحمل المسؤولية الاولى عن الانهيار الذي وصل اليه لبنان حالياً، وهو الاول الذي يجب محاسبته.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل