الخطة “تحلّل” 21 مليار دولار ديناً على لبنان

بعد الاطلاع على مضمون الخطة الاصلاحية للحكومة، نفاجأ بمخالفات وشوائب لا منطقية بنيوية للنظام اللبناني دستورياً ومالياً، ومصرفياً.

أولاً، من الناحية المبدئية العامة، تشكل الخطة الاصلاحية بحد ذاتها ادانة واضحة للطبقة السياسية الحاكمة والسلطة التي تولت الحكم منذ ثلاث سنوات الى الان، اذ فشلوا في تظهير خطة متلهين بمناكفاتهم وصفقاتهم ومحاصصاتهم، حتى وصلت البلاد الى القعر الذي هي فيه اليوم. وهذه الحكومة الحالية التي هي نسخة تكنوقراطية عاكسة لتوازنات سياسية غير موزونة، أكبر دليل على ان ما حصل اليوم من خطة كان يمكن ان يكون منذ سنوات، وكنا وفرنا على البلاد 3 سنوات من الضياع.

ثانياً، ما يلفت في الورقة الاصلاحية لحكومة الرئيس حسان دياب، انها عادت في مقاربتها الانقاذية الى اساليب وادوات الحكومات السابقة، اي الى منطق الاستدانة بعدما انتقد دياب الحكومات السابقة على تلك الاستدانة والتركة الثقيلة، كما نراها تعود الى حتمية صندوق النقد الدولي بعدما كان حزب الله والفريق الموالي له يعارضون ذلك، كما ان سيدر لم يكن الا نتاج الحكومات السابقة برئاسة سعد الحريري، والخطة الحالية تبني عليه. بالتالي، لبنان الجديد سيكون في انطلاقته مدينا من جديد بمبلغ 21 مليار دولار بين 10 مليارات دعم خارجي، و11 مليار من اموال سيدر.

ثالثاً: تركيز الورقة الاصلاحية بصورة نافرة على القطاع المصرفي بشكل كبير، وكأن المطلوب تحميل القطاع المذكور والذي كان الاساس في صمود لبنان اقتصاديا طوال سنوات الحروب والمحن، وفي ثبات سعر صرف الليرة، كل اعباء ومسؤوليات فساد الطبقة الحاكمة واركان السلطة والذين ما زالوا في قسم كبير منهم يديرون هذه الحكومة لا بل يتشاركون فيها. حتى ان الحكومة تناقض نفسها بإشارتها في خطتها الى تقدير سعر صرف الدولار بـ3500 ل. ل في نفس الوقت الذي تقرر فيه ابقاء سعر الصرف ثابتا على 1500 ل. ل للدولار الواحد.

اما التركيز على المركزي والمصارف، فإن دل على شيء فعلى “بلطجة” لا بل ابتزاز تقوده الدولة ضد القطاع المصرفي الذي هو دائن لها وهي مدينة له. فبدل ان تنظر الدولة في كيفية رد الدين له اذا بها تبتزه بمطالبته بأرباحه، ضاربة عرض الحائط بكل ما منحه الدستور والقانون من ليبرالية اقتصادية وملكية فردية فضلا عن كون القطاع المصرفي الركيزة الاخيرة في ما تبقى من قوة اقتصادية بينما على الدولة المدينة ان تبحث كيفية رد الاموال التي اقترضتها من المصارف بدل البحث في سلبها فوائدها.

فالأرباح المحققة في المصارف تصيب المودعين لان تلك الارباح انعكست زيادة في الفوائد الممنوحة للمودعين على مدار السنوات، وبالتالي هذه الودائع مال خاص وملكية خاصة للمصارف والمودعين، فكيف يمكن مطالبتهم بردها او باقتطاعها؟

أظهرت الخطة الاصلاحية نوايا التعدي على المصارف والنظام المالي تحت حجة اعادة الهيكلة، فيما المطلوب اعادة هيكلة ادارات الدولة وتنقيتها من الفاسدين والصفقات والهدر في المال العام. فالقطاع المصرفي اقله دين الحكومات المتعاقبة والدولة، فماذا فعلوا بتلك الاموال؟ وكيف واين تم تبذيرها بلا رقيب ولا حسيب؟

وبدل أن تطرح الخطة اليات وسياسات لرد الاموال المقرضة من المصارف ومصرف لبنان لها، طرحت كيفية الاستيلاء على الارباح المحققة للمصارف، فلا يرفض المدين رد الاموال المستدانة بل ويذهب الى حد التسلط على ارباح من أقرضه.

رابعاً: اذا ارادت الحكومة اصلاح الوضع المالي حقيقة، فعليها قبل النظر الى صندوق النقد الدولي ومؤتمر سيدر، ان تبدا بالمتاح بين يديها: وقد مضى على وجودها ما يقارب المئة يوم فنسألها:

ماذا فعلت بملف الموظفين الـ5300 الذين تم توظيفهم عشوائيا وبطريقة غير قانونية بعد اقرار موازنة 2017؟ لماذا لم تُلغ عقودهم او تسمياتهم حتى الان؟ اليس في ذلك وفر بالملايين لخزينة الدولة؟

في قطاع الكهرباء، ومع تأييدنا لإنشاء الهيئة الناظمة وادانتنا الشديدة لتلكؤ مجلس النواب الى الان في سن التشريع المناسب لذلك، اين أصبح اقتراح شركة سيمنز الالمانية بتأمين التيار الكهربائي للبنان مجانا من دون اية كلفة على خزينة الدولة وقد تكبد لبنان بفضل سياسات وزراء التيار الوطني الحر عجزا من 2009 الى يومنا هذا فاق 25 مليار دولارا اميركيا، ما يفوق ارباح المصارف في السنوات الـ25 الماضية.

صمت قوى 8 اذار وحزب الله والتيار الوطني الحر اذاننا لسنوات حول مبلغ الـ11 مليار دولار التي اتهمت رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة به، ونحن نسأل اليوم حكومة الرئيس حسان دياب: اين الـ50 او الـ60 مليار دولار المحولة الى سوريا من خلال المعابر المتفلتة وسيطرة سلاح حزب الله وقراره وشحن البضائع الى الداخل السوري بدون رسوم ولا ايرادات جمركية ولا ضرائب للدولة؟

في وقت تلاحق الدولة من حول أمواله الخاصة بالطرق الشرعية والقانونية لتقمعه، وهو يسدد ما عليه من ضرائب ورسوم التحويلات، إذا بها تتساهل مع التحويلات غير الشرعية عبر الحدود لمصلحة النظام في سوريا.

اين ضبط الحكومة للهدر في المرفأ، فكان يكفي ولا يزال تركيب آلة (سكانر) واحدة كاشفة، لتحقيق ايرادات للخزينة ما بين نصف مليار ومليار دولار سنويا، لوقف التهريب والهدر المالي والتسيب في هذا المرفق الاساسي للاقتصاد الوطني، لكن السير في هذا الخيار يقطع باب ايرادات غير مشروعة وغير شرعية لحزب الله تغذية لاقتصاده الموازي (تقدر ايرادات الحزب من المرفأ بـ300 مليون دولار سنويا).

خامساً: في الاجتماع الاقتصادي الذي عقد في قصر بعبدا بتاريخ 9 أيلول 2019، تلاقى المجتمعون يومها على افكار هي نفسها الذي التزم بها مصرف لبنان وفي طليعتها تثبيت سعر صرف الليرة، فاذا بالحاكم رياض سلامة يتهم اليوم بتثبيته سعر صرف الليرة، وحاليا تتهمه الحكومة بتحرير سعر صرف الليرة. مع العلم ان الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة امل) يرفض خفض قيمة الليرة لأسباب تتعلق بتجنب احراجه امام بيئته الحاضنة والمكونة غالبيتها من موظفي دولة يخشى ان يؤدي ارتفاع سعر الصرف بالنسبة للدولار الى تآكل قوة رواتبهم واجورهم الشرائية وتصاعد النقمة الشعبية عليهما.

مع العلم ان من اولى شروط مساعدة صندوق النقد الدولي لنا تحرير سعر صرف الليرة، ما سيضع حكومة دياب امام ساعة الحقيقة: اما تحرير سعر الصرف وبالتالي مواجهة رفض الثنائي واما الاستمرار في سياسة تثبيت سعر الصرف وبالتالي تأكيد صوابية ما ذهبت اليه الحكومات السابقة التي ينتقدها دياب.

سادساً: ما يثير الاستغراب، مرور كلام حاكم المصرف المركزي رياض سلامة اثناء مؤتمره الصحفي الأخير، مرور الكرام، على الرغم مما أعلنه من حقائق وإخبارات حول اسباب الهدر وتعاظم الدين العام وتراكمه، واسباب الهدر وسواها، إذ كان الحري بالقضاء ان يتحرك لو كانت الدولة جادة بمحاربة الهدر وساعية للإصلاح.

فالاستهداف واضح، والحاكم في عين الاستهداف لأنه بكل بساطة: تماهى، وهو ملزم بذلك بحكم النظام المصرفي العالمي والتعاون مع الاحتياط الفدرالي الأميركي، مع العقوبات المالية والنقدية على حزب الله، والدليل ان نفس الحاكم ومنذ تعيينه عام 1993 وحتى ما قبل 2015 كان مرحبا به ولم تكن اية اصوات تهاجمه. لكن منذ العام 2015 وبعدما تعاون الحاكم مع الاميركيين بدأ الحزب يشعر بخطورة هذا الشخص على استراتيجياته الوطنية والإقليمية، فتعاظمت النقمة عليه حتى وصلت الى حد الهجوم الاخير عليه في السر والعلن.

ومع كل هذه الشوائب تناشد الحكومة الاغتراب اللبناني المساعدة، وهي نفسها في خطتها الاصلاحية تريد سلب التحويلات من الخارج جزء من الفوائد التي تصفها الحكومة بالخيالية والتي استحقت للمغتربين من تحويلاتهم الى لبنان وقد صرفها المودعون بطبيعة الحال.

ختاماً، الخطة الاقتصادية التي اطلقتها حكومة دياب بحاجة الى منطق كما الى اصلاحات فورية، ولا يظنن احد في السلطة ان الخارج سيساعدنا بالمجان خصوصاً وان حكومة دياب هي حكومة حزب الله.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل