
قد تكون جماعة 8 آذار “المقاومة” تلقت صدمة عنيفة، كي لا اقول صفعة، في حضور سمير جعجع المفاجئ، لقاء قصر بعبدا بعد تمنّع “زعماء” آخرين، اذ ان في مفهوم الثورة اللبنانية ما عاد لدينا زعماء في لبنان بالمعنى التقليدي، انما الزعيم هو من يتعاطى بنزاهة وشفافية ومسؤولية بالشأن السياسي والاجتماعي والانساني اللبناني. اذن هنا مكان سمير جعجع، في عمق الزعامة، إذا جاز التعبير.
انتقد كثر بداية، خصوصا بعض الرفاق القواتيين، حضور الحكيم قصر بعبدا، اذ اعتبروا انه يعطي مصداقية وحيثية للعهد وحلفائه من جهة، ولكل افرقاء 8 آذار من جهة ثانية. نفهم الغضب او الانتقاد من موقع الخوف على الحكيم وعلى صورة القوات اللبنانية عموما. لكن ما حصل في الواقع نقض تماما كل هذا التخوف والتردد.
اول وصوله القصر، ووسط دهشة الاعلاميين، القى سمير جعجع قنبلته الاولى “حضوري القصر مش يعني انا ادعم سياسة العهد، ابدا على الاطلاق”. اذاً هو كان واضحا انه لم يأتِ ليساير احدا، ولا ليجامل احدا، او يحابي سكان القصر على حساب مصداقيته ومصداقية القوات، حتى ولو كان بحضرة رئيس الجمهورية وناسه.
القنبلة الثانية كانت حين انتهى الاجتماع وخرج الحكيم ليعلن بصراحة انه يتمنى نجاح هذه الحكومة لكن “حتى اللحظة لم نر اي خطوة عملية”، وان المواضيع الاساسية في الخطة الاقتصادية لم تعالج المسائل الرئيسة في البلاد “لذلك لم نر لغاية اللحظة ما يجعل هذه الحكومة تختلف عن السابقة. وبالتالي، حتى لو سلّمنا جدلاً، أن الخطة المطروحة مثالية، وهي ليست كذلك، لكنها جيدة كبداية أو إطار، لن نصل إلى نتيجة إذا بقي العمل في البلد كما هو اليوم”. وركّز على قضية المعابر غير الشرعية والجمارك التي تشكل موردا رئيسا لخزانة الدولة لو عولجت كما يجب.
وفي حين كان يتوقع البعض ربما موافقته خجلا او مراعاة لرئيس الجمهورية، الموافقة على بنود الخطة الاقتصادية، ذهب جعجع عكس كل التوقعات، حين أعلنها صراحة بانه ضد هذه الخطة الاقتصادية لأنها لم تضع الاصبع على الجرح، “وجوابنا الأساسي هو أننا لن نسير بهذه الخطة ولا بأي خطة قبل أن تبين الحكومة أنها جدية وتريد سد كل مزاريب الهدر في الدولة” كما قال، خصوصا ان الحكومة تتجنب المواضيع الاساسية الحساسة لألف سبب وسبب.
على منبر رئاسة الجمهورية وجه الحكيم رسائله الكثيرة ولعل اهمها حين سئل عن موقع رئاسة الجمهورية فأجاب بصراحة تامة “لا أؤمن بقضية المساس بموقع رئاسة الجمهورية، فهو موقع كأي موقع دستوري آخر”، مكرراً، “لا نؤيد سياسات العهد، ولا نطالب الحكومة بإنجاز كل شيء خلال مئة يوم، بل نطالبها بالبدء ببعض الخطوات التي تؤشر إلى أنها باستطاعتها القيام بشيء ما”، وفي حين وافق الجميع بطبيعة الحال على البيان الختامي، وحده جعجع اعترض عليه.
اذاً، حضور الحكيم كان أكثر من موفق، كان نجم القصر، حتى لو قال البعض انه لن يصل بمعارضته الى اي مكان! وصل، وصل وسجل حضوره القوي، ومارس مهمته الوطنية التي تفرض عليه المقاومة باي طريقة ممكنة لمنظومة الفساد في لبنان. تقولون نحن ننطح الحيطان. نعم وكل يوم نفعلها، ننطح الالاف من الحيطان في لبنان، وهذه علة وجودنا لندمر كل الحيطان التي تعيق انشاء الجمهورية القوية.
ذاك كان في المضمون، اما في الشكل او لناحية البروتوكول، فثمة الكثير مما يقال، والمفارقة ان الرجل جلس بين من حاول اغتياله جسديا ومعنويا لآلاف المرات!!
كوزير سابق، وان لم يمارس لحظة هذه الوظيفة زمن الاحتلال السوري طبعا، كان يجب ان تكون كرسي الحكيم الى جانب الرئيس نبيه بري. وطبعا هذا لم يحصل. كرئيس لكتلة نيابية وازنة، كان يجدر ان يجلس الحكيم الى جانب رؤساء الكتل النيابية الكبيرة، يعني التيار الوطني الحر مثلا والوفاء للمقاومة، واكيد لم يحصل.
كرئيس لحزب سياسي عريق كبير يمثل شريحة كبيرة من اللبنانيين، كان يجب الا تكون كرسي الحكيم قريبة من أسعد حردان وطلال أرسلان فهو الاعرق والاعتق ولن احكي عن الصفات الشخصية لرجل عاش ويعيش ليناضل من اجل لبنان حر وفقط لبنان حر.
كانت كرسيه بعيدة عن كل شروط البروتوكول وما شابه، وطبعا هي خطوة واضح انها متعمدة ولن اكون ابدا حسنة النية هنا لأقول انها خطوة غير مقصودة! لكن وكما دائما وابدا فحيث يكون الحكيم يترأس راس الطاولة، وفي نظرنا، في بعبدا جلس سمير جعجع الى رأس الطاولة بالتأكيد وترأس المعارضة الحقيقية النبيلة اكيد اكيد اكيد.
