الأرثوذوكس في بيروت وفي لبنان كله

 


من المعيب جدا الحديث في الألفية الثالثة بلغة طائفية ومذهبية في حين أن العالم كله غدا قرية كونية واحدة. ومن المعيب أكثر التحدث بهذه الطريقة وتقزيم دور المجموعات الحضارية اللبنانية. نعم، أقول مجموعة حضارية وليس طائفة، لأننا في لبنان مجموعات ولكل منا حضارته الخاصة التي تضم، العادات والتقاليد والدين وحتى اللغة، لكننا جميعًا ارتأينا أن نصبح لبنانيين كيانيين، فالأصيلين منا تخلوا عن فكرهم الضيق هذا في حين تمسك البؤساء بإثنيتهم الطائفية لغايات في نفس يعقوب.

لا نستطيع في مثل هذا اليوم إلا أن نقف أمام أرثودوكسي أصيل طبع لبنان والعالم بأصالته الأرثوذوكسية، ولم يتحدث يومًا بلغة مجموعته الحضارية، بل اعتمد اللغة الانسانية فخاطب الانسان الأصيل الموجود في كل واحد منا. إنه شارل مالك، ابن قرية بطرام، الرابضة في دساكر قضاء الكورة، في محافظة لبنان الشمالي. لقد حدد مالك في كتاباته ما معنى أن يكون الانسان أرثوذكسياً.

حدد شارل مالك في كتابه “لبنان في ذاته” الذي أصدره العام 1974 مميزات لبنان، ومن أبرزها التواجد المسيحي- الاسلامي. فبالنسبة إليه هو تواجد صادق وحر ولا مثيل له في التاريخ كله. وعلى ما جاء في الصفحة 19 من الكتاب المذكور: “هنا لا ينظر المسيحي إلى مواطنه المسلم أنه دونه في القدر والكرامة، ولا ينظر المسلم إلى مواطنه المسيحي أنه دونه في القدر والكرامة.” ويشير مالك في الموضع عينه إلى احترام الحريات الكيانية للمجموعات الحضارية من حيث الاتصالات مع العالم الغربي أو الشرقي على السواء.

ويتابع مالك قائلا: “نحن الأرثوذوكس، متحسسًا بصدق وإخلاص جميع مشاكل الأورثوذوكس ومشاعرهم في العالم كله” ويربط هذه التحسس مع المسيحيين في العالم كله لأي كنيسة انتموا إليها. ويطلب مالك من المسلم اللبناني أن يشعر مع مسلمي العالم كله. ويردف مالك بأنه في اللحظة التي لا يستطيع فيها كمسيحي أن يشهد لتاريخه المسيحي يختل وجود لبنان. ويقول في الصفحتين 21، 22:” أناشد أخي المسلم أن يشهد لما يؤمن به بحرية تامة، وأن يؤكد على ضرورة اتصاله العضوي الدائم بالمراكز الفعالة في العالم كله التي تجسد وتحيا إيمانه وتراثه”.

من هنا، نستطيع أن نفهم تركيبة لبنان الكيانية القائمة على العيش معا ضمن المجموعات الحضارية، شرط أن تحترم كل مجموعة خصائص غيرها. لذلك كله، لا يستطيع أي لبنان كياني في الصميم أن يغيب وجودية أي مجموعة حضارية مهما علا شأنه؛ ومن غير المسموح السكوت عن هكذا عمل تجاه أي مجموعة لأنه إن سكتنا اليوم عن الأورثوذوكس سينتقلون إلى التطاول على مجموعة أخرى مسيحية أو إسلامية. من غير المسموح إطلاقًا التطاول على الكيانية اللبنانية لأن من تسوله نفسه على ذلك، سيكون إن غير مدرك يقدم الخدمة المجانية لمن يريدون تغيير الكيانية اللبنانية، كي لا نقول متواطئًا. وإن لم يكن يدرك فمصيبة أخرى ومن نوع آخر.

لبنان شارل مالك باقٍ إلى الأبد لأن حراسه لا ينامون. ولا يظنن أحد أن منطلق الدفاع اليوم هو نابع من منطلق أرثوذوكسي بحت_ مع العلم أنني شخصيا أنتمي إلى غير المجموعة الحضارية الأرثوذوكسية- بل هذا الدفاع سيكون أشرس لا سيما إن تجرأ أحد على التطاول على مجموعة حضارية غير مسيحية، لأننا لبنانيون كيانيون في الصميم. ومن له أذنان للسماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل