لبنان و”الزعيم” الجديد بعد “كورونا” في المنطقة

فضلا عن الصدمة العالمية وتداعياتها الطبية والاقتصادية والانسانية التي احدثتها غزوة فيروس كورونا في ارجاء الكوكب، فإن قراءة جيو ـ استراتيجية لبعض المؤشرات الحالية تجعلنا نعتقد بشبه يقين ان المنطقة ولبنان انتقلا من مرحلة الى اخرى جديدة مختلفة تتحكم بها حسابات واجندات معدلة ستنعكس على المشهدية العامة وتوازن القوى الجديد.

 

اولاً: من جهة، هناك ظاهرة تراجع قوة النفوذ الايراني من بغداد الى دمشق، ففي العراق بقيت المساكنة قائمة بين واشنطن وطهران، من خلال حكومة جديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، لكن مع ميل تلك الحكومة الى الاميركيين أكثر من الايرانيين. فالكاظمي صديق للأميركيين وللسعوديين، ولفت سرعة ترحيب المملكة بحكومته وبرقيات التهنئة من كل من الملك السعودي وولي عهده.

 

إيران أدركت انها لم تعد تستطيع فرض حكومتها كما كانت تفعل سابقا على الرغم من محاولاتها ومناوراتها لأكثر من سبعة أشهر، في وقت لا تزال طهران تراهن على عودة الديمقراطيين الى البيت الأبيض، مترقبة سقوط الرئيس دونالد ترمب في معركة تجديد ولايته.

 

يضاف الى ذلك ظاهرة الوهن الاستراتيجي والعسكري الذي اصاب طهران في سوريا، حيث اسرائيل تمعن عبر غاراتها المتواصلة، على مواقع الايرانيين وحلفائهم في سوريا واستباحتها للأجواء، في تنفيذ قرارها بطرد الايرانيين من سوريا بالقوة وليس لجم وجودهم، فيما لا نرى ردا ايرانيا ولا تصدياً ايرانياً يجاري عنفوان الخطابين السياسي والعسكري ضد إسرائيل والمهددين بإفنائها، لا بل تراجع ايراني ميداني أيضاً.

 

وقد تقاطعت المعلومات عن اخلاء الايرانيين العديد من مراكزهم ومواقعهم العسكري في سوريا ومباشرتهم عملية تقليص لوجودهم هناك في وقت لم تستعد طهران وعيها من اغتيال قاسم سليماني ولم تتحرر من العقوبات الاميركية الضاغطة والخانقة ولم تتعاف من جائحة كورونا المدمرة ولم تنج من انخفاض اسعار النفط والانكماش، في وقت بدأت ضائقة طهران تؤثر على بيئة حزب الله الذي تراجعت مداخيلها من القيادة الايرانية خصوصاً في ظل ازمة كورونا الخانقة التي يعيشها لبنان.

 

ثانيا: الوهن السوري، فنظام بشار الاسد امام لحظة الحقيقة: سواء مع الروس (حلفاؤه) الذين بدأوا يضيقون ذرعا من عناده في مواجهة تركيا في ادلب بما يعرقل مخططات موسكو في اتفاقها مع أنقرة، ورفض بشار التسوية السياسية للنزاع وصولا الى انفجار العلاقات الاسرية بينه وزوجته اسماء وابن خاله رامي مخلوف، وما خرج الى العلن من خلافات وصدامات ضمن العائلة الواحدة، من دون ان ننسى ضعف التصدي السوري للهجمات الاسرائيلية على الداخل السوري بغياب عملي لمنظومة صواريخ اس 300 الروسية المفترض انها سلمت لنظام بشار الاسد والتي لم نرى اثر لها في التصدي الى الان للعدوان الاسرائيلي.

 

فهذا الوهن السوري، ان دل على شيء فعلى بدايات عد عكسي معين من شأنه ان يبدل من صورة التوازنات، مع العلم ان موسكو ما تريده في سوريا يتجاوز حدود سوريا وتجاوز شخص بشار الاسد ليصل الى افاق التسوية النهائية التي تحفظ لها مكتسباتها ودورها الاقليمي الفاعل، وقد اصبحت المنطقة ساحة خلفية لموسكو واثبتت صدقية تحالفاتها لدول المنطقة كلها، ما شجع بعض دول الخليج على فتح خطوط علاقات سياسية وتجارية واقتصادية مع الكرملين وتحديها واشنطن في النفط وسواه.

 

ثالثا: محاولات حثيثة لعودة المنظمات الاسلامية وفي طليعتهم داعش الى الساحة، بعدما ادى فشل الانظمة الاقليمية في مواجهة فيروس كورونا والتداعيات الاقتصادية والمالية الى تعزيز النزعات المتطرفة مجددا، ما ينذر بتقويض الاستقرار الاقليمي.

 

وفي هذا السياق، تجب الاشارة الى ان الولايات المتحدة وان كانت تتجه في سياستها الانكفائية عن المنطقة الى تقليص وجودها الا ان المنافسة مع الروس والصينيين ستكون على أشدها وان بالواسطة، اي حرب باردة جديدة، قد تتحول الى ساخنة بين دول وكيلة او منظمات يسهل تطويعها لمناهضة الصين والروس في المنطقة.

 

فالصراع الاميركي الصيني والاميركي الروسي ات لا محال في المنطقة، يرافقه انهيارات لأنظمة شرق اوسطية مترنحة من الان تحت وطأة الازمات الاقتصادية والصحية، ومنها الاردن ومصر، وتستكمله مشهدية عالمية تتميز بصراع تجاري دولي يوصلنا الى الكساد العام كما في اواخر العشرينيات واوائل ثلاثينيات القرن الماضي مع تداعياته لجهة الافلاسات والبطالة المرتفعة قياسيا والركود وتراجع معدلات النمو بصورة دراماتيكية.

 

فكل الصراع اليوم هو من يغلب كورونا اولا ليتمكن من التفوق على الاخر في زعامته الدولية وبالتالي الاقليمية: الولايات المتحدة ام الصين ومن خلالها روسيا. لذا نجد ترمب في سباق مع الوقت لإعادة عجلة الانتاج في اميركا ولتعويض الكسب الفائت واسترجاع المكتسبات الداخلية التي انهارت مع كورونا تمهيدا لمواجهة الصين عندما تحين اللحظة على نفس درجة القوة والزعامة.

 

رابعاً: هذه المعطيات كلها توصلنا لبنانيا الى الاستنتاجات التالية:

أ ـ على لبنان ان يسرع في انقاذ نفسه من الازمة الاقتصادية والمالية وتداعيات كورونا وانما بالفصل بين مصلحة الدولة والشعب ومصلحة حزب الله والمحور الإيراني، والا لا امل يرتجى من صندوق النقد الدولي ولا من سيدر ولا من المانحين.

 

ب ـ على لبنان ان يخرج نفسه من خط نار الصراع الاقليمي والدولي، وان يختار المضي قدما بالتعاون مع الاميركيين والغرب، والا فإن نظامه الاقتصادي والمالي والنقدي والمصرفي في خطر السقوط، وصيغة حكم لبنان قد تكون الضحية الاولى وانهيارها السم القاتل للكيان اللبناني.

 

ج ـ عدم التعويل على دول الخليج وفي طليعتها المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة، طالما ان الرياض تنسق مع الاميركيين في حربها على الحزب وعلى المحور الإيراني، وفي ضغطها على لبنان لإبعاده عن تأثيراته، فلا مال قبل الاصلاح ولا اصلاح الا لمصلحة الشعب اللبناني ولا مصلحة الا مصلحة الشعب لا مصلحة الحزب وطهران.

 

الرياض انكفأت لأنها أدركت عجز حلفائها في مواجهة المد الايراني في لبنان ونفوذ حزب الله المتعاظم على الدولة ومفاصلها من منظار السعوديين، ولبنان لم يعد اولوية لديها خصوصاً بعد تصاعد الصراع الاميركي الايراني وعقوبات واشنطن والاوروبيين على حزب الله وسقوط مقولة تفهم خصوصية لبنان في كون الحزب جزء من المكون الداخلي اللبناني، وصولا الى ما رشح من تصاريح مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الاوسط ديفيد شنكر الأخيرة، من تصميم واشنطن والمنظومة الغربية على ضرب حزب الله وسيطرته على الدولة.

 

لن تستطيع فرنسا وحدها الاستمرار في تشكيل رافعة للبنان تجاه الغرب وأميركا، والرهان على الاكتفاء بدور فرنسي اكثر تفهما وانفتاحا وتعاونا مع خصوصية لبنان لمواجهة العقوبات والتصنيفات الاميركية والاوروبية لحزب الله، رهان خاطئ، لان باريس لا تستطيع البقاء خارج سرب المانيا واوروبا والولايات المتحدة. من هنا، على لبنان الاسراع في تأمين شبكة امان اقتصادية ومالية وامنية، داخلية تحصنه من الرياح العاتية في المنطقة ومن تبدل الخرائط والحسابات والتحالفات وعودة التطرف، فتحصين الداخل يبدأ بالإصلاح والاصلاح يتطلب خطوات جريئة واستعادة الدولة والمؤسسات قرارها السيادي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل