على هذه الصخرة بُني لبنان

 

المجازفة بالكتابة عن البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في ذكرى رحيله حقاً مسؤولية لمجد أيقونة تاريخ لبنان. صدفة مولود بولادة دولة لبنان الكبير سنة 1920 ليحمل صليبه ويسطّر تاريخه لا سيما في الفترة الاخيرة للحرب اللبنانية وما تلاها من أحداث لا تزال البلاد تعيش في ظل تداعياتها.

الشهادات التي استعنت بها ترسم فيه رجلاً صاحب رؤية ونظرة ثاقبة وكلمات قليلة وظرف حاضر.

من أعطي له مجد انطاكية وسائر المشرق. من هو؟

ولد في 15 أيار عام 1920 في بلدة ريفون قضاء كسروان. رجل فصيح اللسان، عفوي، وصاحب تعليقات ظريفة ومقتضبة. شكّل مدرّس اللغة العربية والفلسفة في شبابه علامة فارقة في تاريخ الكنيسة المارونية في الشرق ولبنان منذ انتخابه بطريركا في 9 نيسان 1986 حتى استقالته العام 2011.

قديس البناء

مشى البطريرك صفير درب الجلجلة بحكمة وطنية وقداسة مسيحية منذ انتخابه عام 1986 عندما كانت الحرب الاهلية اللبنانية في أشدّها خصوصاً إثر حرب الجبل.

ورث عذابات المسيحيين ونكبة الحرية المضنية، ليكون عرّاب صوت الكنائس في وديان الشوف وعصا اتكأت عليها مصالحة تاريخية التي عرفت بـ”مصالحة الجبل”.

إصراره المبالغ فيه على الصيغة التاريخية للكيان اللبناني، وبمساندة القوة المعنوية جعله رمز المعارضة حين كانت الوصاية تنفي كل معارض، وكان موقف صفير بعدم علاقته بدمشق كافية لزعزعة النظام السوري ومن يعمل معه في لبنان. وهذا ما جعله مؤسس لقاء قرنة شهوان الذي ضمّ قيادات وطنية مسيحية طالبت بخروج جيش النظام السوري من لبنان.

واعتبر هذا البيان الشرارة الاولى لانطلاق الدعوات لخروج نظام الاسد من البلاد.

بدعمه لاتفاق الطائف سنة 1989، تحوّل في ما بعد الى أحد أهم منتقديه خصوصاً في مرحلة الاحباط المسيحي الذي لحق بهذا الاتفاق، في ظل حلّ حزب القوات اللبنانية واعتقال قائدها سمير جعجع، وممارسة الضغط على كل من يعارض نظام الوصاية الجزّار. فتحوّل مقر البطريرك الماروني في بكركي الى أحد منابر أصوات المعارضين للنظام وضد كل ما يعتبره إجحافاً لتمثيل المسيحيين.

طالب بإطلاق سراح جعجع وساند قضيته وقضايا المظلومين، ما ولّد حالة انقسام على الساحة المسيحية. وكان الأب الروحي لجعجع ولمناصريه، والمرجع السياسي ـ المسيحي لكل من آمن بقضيته أبّان الظلم الذي تعرض له.

“شببتم على محبة قائد لم تعرفوه وفي هذا فضل كبير لكم… نحن معكم”

قضية المنضال اللاهوتي بلبنان الحر لاقت طريقها ببطء وثبات. لم يتراجع، لم يخف ولم يهدأ له بال. كان كابوس من يعارضه وقديس من يتبع قضيته.

“استمرّ…ولم ينكسر!” حين كان وطنه محتلاً من قبل الكثير من الغرباء الذين في عزّ الضغط والهجوم المتتالي على الكنيسة والاحبار، اعتقدوا هم ومن ورائهم أنهم سيخدشون شهامته ويمسّون جبهته العالية، وبذلك يجعلونه، كسائر الناس، يحني أمام الخطر والصعاب. لكنّهم أخطأوا بحساباتهم.

أطلق شرارة ثورة الارز من خلال النداء الاول لمجلس المطارنة الموارنة في ايلول 2000، والتي أدّت الى اندلاع ثورة 14 اذار 2005.

كان موقفه واضحاً وحاداً من مسألة سلاح حزب الله، بعد انسحاب الجيش السوري وأكّد صفير أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة فقط.

شغفه برياضة المشي في الطبيعة ترك طيف القداسة في وديان بلاد قاديشا وقنوبين، وصدى الناسك الخطيب ليكون الصخرة التي بُني عليها مجد لبنان وقديس الشرق والعالم.

بعض عباراته التي لا شك بأنها تصحّ لكل زمان ومكان، نقرأ منها:

ـ الحرب التي حصلت في لبنان لم تكن لبنانية أبداً، بل كانت حرب الغرباء على أرض لبنان، ولو بأدوات لبنانية ويا للأسف.

ـ ندعو اللبنانيين كافة إلى أن يكونوا على درجة عالية من الوعي، والمباشرة فوراً بإصلاح ذات البين. كذلك ندعو المسؤولين إلى سنّ القوانين الصالحة قبل دعوة الناس إلى تطبيقها، لأن القانون يجب أن يكون عادلاً ولا يميّز بين مواطن وآخر ومنطقة وأخرى. ولطالما نادينا بالعدالة والمساواة، ولكن أين نحن من هذين الأمرين؟

ـ هناك الكثير من المواد في الدستور تحتاج الى تعديل.

ـ سيبقى لبنان بلد الحرية والديمقراطية والعيش المشترك، ولا معنى للبنان من دون هذه الصفات.

إنه بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق الذي دمغ تاريخ لبنان بعنفوان قلّ نظيره، واستحق محبة شعب ذرف الدموع يوم وداعه، ونال ثقة اجيال، ثقة ستبقى متداولة ومدوّنة في صفحات التاريخ المجيد بحروف خالدة وكلمات مُشعّة على جبين الوطن وفي أرجاء صرح أحبّه حتى أوصى بأن يغمر ترابه وينام في جواره.

صاحب الغبطة، امثالك لا يموتون، بل ينتقلون الى فوق، الى سماء لبنان، الى حضن الاب السماوي، والى حيث الابرار والشهداء والقديسين.

خبر عاجل