صوّت صحّ

بدا لافتًا في  المشهد السياسي اليوم التجاذبات السياسيّة بين أفرقاء البيت الواحد،  قل بين أهل البيت أنفسهم. هذا في التّوصيف الواقعي. لكن الهدف الذي سرعان ما تجلّى: هو الحديث عن معركة رئاسة الجمهوريّة بين حلفاء الصفّ الواحد. فعمليّة تقديم صكوك البراءة من الفساد ستبدأ وبشراسة في  هذه الفترة المقبلة. لكن هل تنبّه أحد بأنّ المعادلات الرئاسيّة قد تغيّرت من بعد 18 كانون الثاني 2016؟ وهل ما زالت تخضع  لموازين القوى الاقليميّة؟ أم أنّ اتّفاق معراب قد حرّرها منها؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ الرّئاسة اللبنانيّة وقبل التاريخ المذكور آنفًا، ومنذ تأسيس الجمهوريّة الاولى، كانت دائمًا خاضعة للتجاذبات الاقليميّة والدّوليّة على السواء. ولم يكن للبنانيّين كلمة فصل في إيصال رئيسا لجمهوريّتهم، بل كانت المسألة وقف على الكمّ الاقليمي والدّولي الذي يستطيع الوصول إليه أيّ مرشّح رئاسيّ مفترض.

إلا أنّ هذه المعادلة سقطت بوصول الرّئيس القوي إلى بعبدا. الرّئيس الأكثر تمثيلا لقاعدته وللبنانيّين جميعًا. حيث شكّلت الانتخابات النيابيّة رافعة لأيّ مرشّح يريد الوصول إلى سدّة الرّئاسة.فلم يعد بإمكان من يحظى بكتلة نيابيّة من أربعة نوّاب مثلا التفوّق على من يحصل على كتلة من عشرين نائبًا وأكثر. وهذا ما حصل بالفعل في اختيار الرّئيس الحالي الذي أمّن بالانتخابات النيابيّة الأخيرة كتلة نيابيّة وازنة نتيجة لتحالفاته، حيث صوّت الناس في الانتخابات بناء على الطروحات التي تبنّاها حزبه.

وجرت الحياة الديمقراطيّة السليمة على تطبيق قاعدة المحاسبة والرّقابة من قبل الشعب، النّاخب الأساسي في إيصال المشروع الذي يريد لممثليه الحقيقيّين أن يوصلوه إلى مراكز القرار.  بذلك فقط، يستطيع الشعب التّغيير بالطريقة الديمقراطيّة، لأنّ التاريخ قد أثبت عبر تجاربه الكثيرة بأن لا حياة سياسيّة سليمة في بلد ما إلا باحترام قواعد اللعبة الديمقراطيّة. وقد سقطت الديمقراطيّة التعطيليّة التي اخترعناها مصطلحًا سياسيًّا جديدًا، بإمكان القارئ العزيز التثّبت منها عبر محرّك البحث غوغل أو غيره.

هذه الدّيمقراطيّة التعطيليّة سقطت أمام تثبيت الدّيمقراطيّة الحقيقيّة التي تبنى فقط على قاعدة حريّة الشعب الكيانيّة الشخصيّة، حيث يستطيع اختيار ممثّليه بحريّة من دون أيّ ضغوطات بأيّ سلاح غير شرعي، أو ترهيب بأيّ جهاز أمني- مخابراتيّ- قضائيّ تابع للسلطة. كما يستطيع محاسبة من اختارهم بحسب التزامهم بتطبيق مشروعهم الانتخابي. وبالطّبع قاعدة ” ما خلّونا” لا تنطلي بعد اليوم على أيّ ناخب كيانيّ حرّ ومستقلّ.

من هنا، لا ينفع اليوم أيّ تبييض لصورة تشوهّت بمقدار الصفقات والفساد الذي ارتكبته فلطّخ تاريخها حتّى ولد الولد. وحالة الاعلام  ” الغوبلزيّ ” سقطت هي الأخرى أمام الحقيقة الساطعة التي لو أنّها أتت متأخّرة فالأفضل من ألا تأتي أبدًا.

لذلك، ستكون الانتخابات النيابيّة المقبلة الفيصل في تبدّل مفاهيم الحياة السياسيّة القادمة. الاختيار الصحّ هو الذي سيوصل أصحاب المشاريع المنتجة وليس الدعاية غير المنتجة. وسيتمّ محاسبة الشعبويّين الذين استغلّوا عطش النّاس إلى كلّ إصلاح وتغيير يطمحون إليه من أجل خير بلادهم ومستقبل أبنائهم.

نعم، لقد تحرّرت الرّئاسة اللبنانيّة من كلّ ربقة إقليميّة ودوليّة وباتت محصورة بالاختيار الصحّ الذي يمارسه اللّبنانيّون وحدهم. وأملنا كبير جدًّا بأنّ من صوّت خطأ في الانتخابات السابقة سيحكم صحّ، وسيصوّت صحّ في  هذه المرّة، ولن يصحّ إلا الصحيح. ومن  له أذنان للسماع … فليسمع.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل