
على الاقل عاصرت وتعرّفت وقابلت وتحدثت وتابعت وخفت وصلّيت وودعت ذاك الرجل، البطريرك صفير. ذاك الرجال. على الاقل بللت قلمي بعشرات المقالات عنه وهو بعد على قيد الكرامة والعنفوان، واعتبر ان اجمل كتاباتي كانت عنه، خصوصا يوم كان بين الحياة والموت، ومن ثم يوميات فراقه ولقائه بربه. من يكتب بلغة القلب تتحول حروفه الى قلب آخر نابض عبر الصفحات، والبطريرك المقاوم جعلنا كلنا قلوبا نابضة بالكرامة دائما، وبالصلاة لاجل تلك الهامة التاريخية التي لا تتكرر.
كنت اعرف اني احبه كثيرا، ولما مُدد جسده الذي هجر روحه أمامنا، رأيت فيه قديسا ما، ليس في الاعاجيب بالتأكيد، هو لم يفعلها، لم يشفِ مريضا في جسده، لكنه شفى وطنا من داء الذل، من عار الاستسلام، من مهانة الصمت والخنوع، من جبن المواجهة حين يكون الوطن في فك الاسد. قديس بالمعنى الوطني الكبير للكلمة.
كنت اظن ان افوله عن الحياة على الارض، سيغيّب حضوره عن وجه لبنان، واذ بنا، وكلما مر وقت اصعب، نكتشف كم كان حضوره مدويا فينا وبأرجاء وطن، حتى اللحظة، حتى اللحظة بعض من فيه يتنكّر عمدا لبطولة ذاك الرجال، واصرّ على التعبير، لانه رجل في الف رجل، بطريرك في الف مقاوم، مقاوم في الف بطريرك.
اشتقتك سيدنا. اشتقتك كتير صراحة. غريب انت سيدنا، كأنك رفيق في حزبي وانت لست من القوات ولم تكن يوما ولم تنتمِ يوما الى اي حزب آخر الا ربّك يسوع. كأنك ابي وانا لا احمل دمك. كأنك كل هؤلاء وانت فعلا كذلك.
الصبية المراهقة التي تعرّفت اليك بداية من حكايات النضال، التي كانت بدأت تضج على صفحات وطن من هنا وهنالك، لم تتصور يوما ان ذاك البطريرك العبوس في مظهره، الذي يقطر هيبة وحكمة وجلالا، الذي يضحك قلبه لوطن مكلل بكرامته، ولرعية لا تقبل الذل والانكسار، سيأتي يوم وتقف امامه مباشرة، وتقبّل يديه البيضاوين، وتسأله بخفر “كيفك سيدنا نشالله بخير؟” ويجيبها بهزة رأس تحمل ما تحمله من اعباء “اذا البلد بخير انا بخير”.
الصبية التي اصبحت صحافية وحملت شرف الانتماء الى “القوات اللبنانية”، استمعت اليك سيدنا وانت تعلن ذاك البيان الشهير، بيان المطارنة الموارنة، بصوتك الواثق الغاضب الهادىء الثاقب المعاني، وكان الاحتلال السوري ينهش في جلدنا، ويتلذذ من عذاب الشباب المناضلين، ولما سمعتك صارت الصبية ترقص فرحا كالاطفال، لانها سمعت صوتا مغايرا لكل اصوات الذل التي كانت تحكم لبنان، وبعدما كان اكبر مقاوميه داخل اسوار الاعتقال.
يومذاك طوّبناك على ذوقنا ايقونة المقاومة. انت كنت تناضل لاجل كل لبنان، مسيحييه ومسلميه لا فارق عندك، ولما طلبوا منك الذهاب الى هناك، الى عار طريق الشام، وقفت بعنفوان الدنيا كلها واعلنت “لا اذهب الا ورعيتي معي”.
غرزت فينا سيدنا الشجاعة في عز الخوف والانكسار. كنت السند والدعم. جعلتنا اكثر شجاعة واشد عنادا للمواجهة. لم نبالِ بهم وهم يرفسون برناجر الاحتلال اجساد المقاومين يوم عدت من مصالحة الجبل، لأنك انت سبقتنا الى متراس المواجهة في تلك الحقبة البائسة، ولما تحررنا وتحرر الحكيم، جلسنا خلف الشاشات نراقب ضحكاتك، وبركتك.
شيدت لنا التاريخ سيدنا، جعلتنا نكتشف عظمة البطاركة الموارنة عبر التاريخ، فكنت عظيما منهم. جعلتنا نفخر بانتمائنا الى هذه الارض، وبخور الكرامة يعبق من جبال الارز ووادي قنوبين وتراب السنديان وتلك البسمة. كنت تبتسم سيدنا، ولما كنت تبتسم كان قلبنا يرتجف حبا لذاك الرجال الاستثنائي.
قلت لنا مرة “انه الزمن البائس”، وكنت حزينا على لبنان مخطوف بالفساد والاحتلال. وبخبرك سيدنا انو البلد بائس ومش بخير ومش على خاطرك ابدا. يوم رحلت وذهبنا لوداعك، عزّت علينا هالدني، لو التفت يومها خلفك لوجدتنا قلوبا شموعا ترجو الرب لتتوقف اللحظة. لكن انت كنت اشحت بوجهك عن الحياة، والتفتّ الى الامام لتجد ذاك الضوء الذي ينده على الانقياء ليلتحقوا به، ونحن نقول انت بطلنا سيدنا.
وانت تلاقي ربّك سيدنا، رأيت البسمة اياها على وجهك المشع، قلت لنفسي سيدنا مبسوط فرحان فينا، هكذا اقنعت نفسي، فرحان لأنه يعرف انه انجز مهمته على اكمل وجه، ولأنه ترك خلفه من يتشبّه به حتى نهاية الانفاس، ومن جعله ايقونة البطاركة الموارنة المقاومين. شمعة لقلبك سيدنا، يا ربي شو اشتقنالك.
