الحكومة الآذارية في لحظة الحقائق المرة

 

بداية وبالإذن من كبار مسؤولي حزب الله وكتلة الوفاء للمقاومة، ليس صحيحا ان محور المقاومة والممانعة اقوى في هذه المرحلة من ذي قبل، بل الصحيح ان المحور يواجه أخطر حالة وهن اقليمي ومحلي في لبنان، لم نشهده من قبل، فاقتضى التصويب.
اما بالعودة الى لبنان، ها هي حكومة 8 اذار وحزب الله تتخبط في عجزها، وبغض النظر عن الانقسامات والصراعات التي بدأت تطفو على السطوح بين اركانها الأساسيين، ومعها تعاني البلاد من نقص خطير في المناعة الاقتصادية والاجتماعية والمالية والمعيشية، ما ينذر يوما بعد يوم بعواقب وخيمة مع تخطي نسبة الفقر والجوع عتبة الخمسين بالمئة.

ارادوا الحكم وادارة البلاد، لكنهم نسوا ان الادارة ومعالجة الملفات لا يكون بالانطلاق من معادلة مواجهة وتحدي مع المجتمع الدولي والدول العربية وتحديدا الخليجية، فلبنان امام ساعة حقيقة صندوق النقد الدولي وسيدر والمانحين والاشقاء، وكلهم على رأي واحد: ان الحكومة اللبنانية التي هي حكومة حزب الله بحاجة لتبين للمجتمع الدولي قدرتها ليس فقط على كتابة خطط اقتصادية ومالية بل وقدرتها ايضا على تنفيذ الخطط والإصلاحات، فاذا لا اصلاحات لا تمويل وبغياب التمويل لا انقاذ.

واذا انطلقنا مما قاله مساعد وزير الخارجية الاميركية ديفيد شنكر، من ان حزب الله لا يريد اصلاحات لان الوضع كما هو يناسبه، يمكننا ان نفهم عمق الازمة الحادة التي تعيشها البلاد في هذه المرحلة لا بل عمق المأزق الموضوع فيه اركان الحكم والحكومة في هذه المرحلة.

فبدلا من ان نكتفي بالتوسل للأمم المتحدة للتعويض على لبنان ما انفقه على اللاجئين السوريين، فليعلن لبنان صراحة عن سبب رفض نظام دمشق عودتهم الى بلادهم، ولتقم السطات اللبنانية باستعادة الهدر والسرقات من المرفأ والكهرباء والطاقة والحدود المتفلتة، فهي كفيلة ايضا بتأمين مداخيل مالية ضخمة تساهم في انقاذ لبنان من الانهيار بأسرع بكثير من صندوق النقد واية صناديق اخرى.

وبدلا من ان يتلهى رئيس الحكومة بمعارك جانبية خاسرة مع منظومات راسخة اكبر من ان يستطيع لوحده مقارعتها بالعناد والتعنت، تارة في مواجهة الطائفة المارونية وبطريركيتها في موضوع الحاكم رياض سلامة وطورا في مواجهة الطائفة الارثوذكسية والمطران الياس عودة حول الخلف لمحافظ بيروت شبيب، مرورا بالكباش مع دار الفتوى بموضوع بعض الشخصيات السنية وفي مقدمتها الرئيس فؤاد السنيورة، وصولا الى الكباش مع رئيس مجلس النواب نبيه بري حول الـ”كابيتال كونترول” والـ”هيركات”، كم كان الحري به وبحكومته ان تبدا بإصلاحات مالية لا تتطلب سوى توقيعها كإلغاء عقود 5300 موظف وتنشئ الهيئة الناظمة للكهرباء وتعين مجلس ادارة للشركة وتضبط ايرادات المرفأ وتضبط الحدود الشرقية والشمالية، عندها لكان بإمكانها التكلم عن انجازات ولو في الساعات الاخيرة من المئة يوم.

حكومة الفضيحة التي تذهب للتفاوض مع صندوق النقد الدولي بأرقام متفاوتة ومتناقضة بين المركزي والمصارف ووزارة المالية، ولم تكلف نفسها عناء التدقيق بالأرقام وتوحيدها قبل الخوض في مفاوضات “السوس والنقطة” مع الصندوق ومن يقف وراءه من دول وعواصم متوجسة سلفا من مساعدتنا، فتقدير الخسائر من قبل الحكومة اعطى 241 ألف مليار فيما الخسائر لدى الجهات المالية قدرت بـ100 الف مليار.

على الضفة الاخرى من المشهد، واشنطن وحلفاؤها الاوروبيون والعرب، الممسكون بمفاتيح الانقاذ المالي والاقتصادي للبنان، لا يريدون ان تتحول مساعداتهم الى حزب الله وحكومته، ما يتطلب من الاخيرة اثبات انفصالها الفعلي عن الحزب ومحور ايران قبل ان تحلم بفلس واحد من الدول الصديقة والشقيقة والمانحة.

فالحكومة التي احتفل رئيسها بالأمس تلفزيونيا وبدون اي خجل مما سماه انجازات وهي في الحقيقة اقل من افكار لم تطبق، بمرور مئة يوم على انطلاقتها، لم تحقق شيئا مما يشعر اللبناني بأن شيئا ما تبدل او تطور نحو الأفضل، وقد صرف رئيسها نصف المدة في اتهام الاخرين واعتماد اسلوب رمي المسؤولية على الحكومات السابقة والارث الثقيل، بدل العمل على ترجمة النوايا المعلنة بالإصلاح بتدابير يسيرة تنم عن ارادة وقرار فعلي بالإصلاح.

فبعد جهد جهيد وبعد الف ضغط وضغط، تحركت الحكومة باتجاه الاقفال الجزئي المتعثر للحدود اللبنانية – السورية، ومنع تسريب البضائع والدولارات الطازجة الى سوريا، فانفضحت الليرة السورية التي انهارت بسرعة مقابل الدولار الاميركي بما نسبته 50% من قيمتها فضلا عن النقص الحاد بالسلع الاستهلاكية وارتفاع الاسعار.

وفوق كل ذلك، لا نزال نسمع من يتحفنا بفكرة الانفتاح على سوريا والتطلع الى الشرق وصولا الى الصين، وادارة الظهر الى كل من الغرب والعرب، وكأن المسألة مسألة خيارات بسيطة، لا مسألة بنية اقتصادية ومالية ونقدية ومنظومة قيمية غربية وعربية لطالما قام عليها لبنان وشكلت اسس وجوده وديمومته، إذ ان اي تغيير في اي منها يعني سقوط لبنان وانهياره وتبدل هويته وكيانه وشخصيته وارثه وانتقاله الى مكان اخر لا يشبهه ولا يشبه ابناءه. بعد 4 اشهر سيقع لبنان في ازمة غذائية مع فقدان الكثير من المواد في الأسواق.

ارادوا الحكم والحكومة، وها هم في عز المأزق، لانهم بكل بساطة تابعون لمحور لا تمويل فيه ولا انقاذ مالياً او اقتصادياً او نقدياً ولا إصلاحات، بل محور يأخذ لبنان كله رهينة ويريد ان يجير رهينته في خدمة الكباش الإقليمي، الدولي بين واشنطن وطهران، لصالح كذبة الممانعة التي فضحت ذاتها في اجواء سوريا بعجزها عن ايقاف الغارات الاسرائيلية المتواصلة والمستمرة من دون اي رادع او مواجهة، فيما اللبناني ينزف معيشيا وينزف ماليا وينزف اقتصاديا وينزف سياديا، ويكاد يصاب بفقر دم صحي من قلة التغذية بعدما اصيب الوطن بفقر دم سيادي، ولا افق امل بعدما افقدتنا حكومة دياب التكنوقراطية ظاهريا بصيص النور الاخير بإمكانية النهوض او ببدايات هذا النهوض.

في تموز المقبل، سيتم التجديد لقوات حفظ السلام في الجنوب، وسط بروز اكثر من رأي يطالب بالتشدد في ممارسة القوات الدولية لصلاحياتها تجاه ضبط الامن من الجانب اللبناني ومنع منظمات محلية يتستر وراءها حزب الله كجمعية

(خضر بدون حدود) التي يعتدي بعض عناصرها على افراد من القوات الدولية باستمرار، من العمل بحرية وبدون رقابة وضبط.

هذه هي الجردة الحقيقة لحكومة المئة يوم الاذارية، جردة تضعها امام الحقيقة: فإما اسراع في الاصلاحات الفورية المتاحة والتشدد في ضبط الهدر والفساد والتهريب على كامل التراب اللبناني بعيدا عن تأثيرات واملاءات حزب الله، والا فثورة الجياع الجارفة على الابواب وانهيار مريع على كافة الصعد، إذ لا يعود ينفع لا صندوق ولا مؤتمر مانحين ولا اشقاء.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل