لا مهادنة بل مواجهة

شهدت الأيام القليلة الماضية حملات شعواء شُنت على حزب الله من قبل بعض حلفائه الذين كانوا لفترة خلت استراتيجيين بالنسبة إليه. كما شهدنا في مرحلة سبقتها لغة سياسية جديدة لم نألفها سابقًا من الحزب تجاه خصومه التقليديين. ويأتي هذا التقاطع بين أداء الحليفين ليصب في خانة واحدة باتت مكشوفة. فهل يبحث الحزب في أجندته السياسية، عن تبديل قواعد ما للعبة السياسية، في محاولة منه لترويض حليفه الجَفِلِ، وللتودد ممن بات مقتنعًا بريادتهم السياسية للمرحلة المقبلة؟

يبدو أن المايسترو يسعى اليوم إلى إعادة هيكلة السلطة السياسية من خلال الانفتاح على خصومه التقليديين، ظنا منه أنه قد يستطيع جرهم إلى الدخول في لعبة المحاصصة السياسية لينتج السلطة السياسية التي تعتمد المعايير عينها بهدف تثبيت حسن نواياه تجاه المجتمع الدولي، بغية تسهيل مهام الحكومة في معركة مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، إضافة إلى انفتاح ما قد يبديه على المجتمع الأوروبي، اذ قد يقدم تنازلات ما في بعض الدول الأوروبية ليريحها بهدف تحرير أموال مؤتمر سيدر.

فبغض النظر عن الخطاب الذي ألقاه في 13 أيار الذي رفض فيه علانية عملية نشر قوات الأمم المتحدة على الحدود مع سورية. وهو أمر كان من شأنه أن يساعد الحكومة اللبنانية على ضبط التهريب على الحدود، وهي إحدى المسائل التي يمكن أن يطلب صندوق النقد من لبنان تنفيذها؛ ستسعى السلطة السياسية الموجهة في لبنان إلى التحايل على المجتمع الدولي من خلال عملية شكلية قد تخفف هذه الجائحة، لكنها لن تضبطها. وذلك كله بهدف تحرير سيدر لأن المايسترو بات مقتنعًا بأن هامش تحركه ضيق جدا وسيضيق أكثر في  دولة مهترئة اقتصاديا.

هذا الضغط الذي يمارسه المجتمع الدولي سيتجلى في عدم السماح للسلطة السياسية اللبنانية بإبرام صفقات أخرى في ظل الظروف الراهنة. وهذا المايسترو بات مقتنعًا أيضًا بضرورة قيام بعض الاصلاحات. لذلك قد نشهد في الأيام القليلة القادمة عملية تحرير لبعضها، لا سيما التي ترتبط استراتيجيا في ملفات وقطاعات اقتصادية أساسية، وصولا حتى تحقيق خطوة في مضمار استقلالية القضاء.ذلك كله لأن هذه السلطة أدركت مليا أن المجتمع الدولي لن يتنازل عن شرط قيام لبنان بالإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها كي تُكلل خطة الإنقاذ بالنجاح.

وذلك لأن التعقيدات التي مارستها الأوليغارشية الحاكمة بقيادة المايسترو الايراني- اللبناني، أي حزب الله قد اقتنعت أن العرقلة التي تمارسها بإعاقة الاصلاحات هي التي تضيق مجال المفاوضات. وما المحاولات التي ستمارسها لإعادة ضخ الدولارات في السوق اللبنانية من خلال بث رسائل بخفض قريب لسعر الدولار إلا محاولة أخيرة لتتنفس الصعداء الاقتصادية عساها تستطيع التفلت من بعض القيود. لكنها ستفشل أيضًا.

وذلك لعدم إرادة هذه السلطة بالظهور في موقع المعرقل كي لا تبدو بأنها راعية للفساد؛ لكن الواقع غير المرتجى، على الأقل حتى هذه اللحظة، لأنها ما زالت الضامن الوحيد لاستمرار المايسترو بقيادته السلسة للمشروع الفارسي في المنطقة. والخوف أن يكون قد اقترب من تحقيق مآربه في الهلال الايديولوجي الذي يتأمل بإنشائه من طهران إلى لبنان.

ومواجهة هذه الخطط كلها لن يكون إلا من قبل الكيانيين الأحرار الذين يعملون في كل لحظة على تمتين السيادة اللبنانية، إن عبر تحصينها داخليا، وإن من خلال تثبيت موقع لبنان في الحاضنة الدولية الليبرالية، وفي قدرتهم على صد المايسترو بحمل لبنان إلى موقع دولي نقيض. قد ينجح المايسترو بترويض حليفه، لكنه من المؤكد لن يستطيع اكتساب ثقة خصومه لارتباطه الأيديولوجي الذي لا يقبل بفكه حتى هذه اللحظة. لذلك المواجهة مستمرة ومن له أذنان للسماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل