نهاية صيغة 43 لأي لبنان؟

 


الطرح الاشكالي الذي اتت به خطبة الشيخ أحمد قبلان بمناسبة عيد الفطر، بإشارته الى انتهاء صيغة 43، اي صيغة الحكم الطائفي والتوزيع الطائفي للمناصب والرئاسات، يطرح اكثر من علامة استفهام حول الخلفيات والابعاد خصوصاً الانعكاسات المرتقبة لهذا الكلام على مستقبل الوضع اللبناني برمته.

اولا: اي طرح من قبيل اعادة النظر بصيغة الحكم المنبثقة من ميثاق 1943 يعيدنا الى نقطة الصفر لجهة حفظ التوازنات بين مختلف العائلات الروحية المكونة للمجتمع، والسؤال كيف يمكن حفظ هذه التوازنات في ظل طغيان طائفة على سائر الطوائف او مكون على سائر المكونات بسبب السلاح والشعور بفائض القوة والدويلة ضمن الدولة. فالتاريخ علمنا ان اي غبن او شعور بالظلم من مكون تجاه مكون اخر ينتهي بتسويات تطهى سواء على نار فتنة او حرب متقدة او بتوافق سلمي اهلي او مؤتمر وطني او طاولة حوار وطني.

والحالة هذه، اين نحن اليوم من تلك التوازنات ومن استعداد المكون الشيعي تحديدا في اخذ مخاوف ومطالب المكونات الاخرى بالاعتبار وعدم ضربها عرض الحائط؟

لذلك، فان اي طرح لتعديل صيغة الحكم يجب ان يتم بين مكونات متساوية وقادرة على ضمان مصالحها بالتساوي والانصاف الامر المتعذر حاليا ما دام سلاح غير شرعي طائفي مذهبي مهيمن على الدولة ومفاصيلها وقراراتها.

ثانيا: اذا كان المطلوب من خلال اعتبار صيغة 43 منتهية، اعادة النظر في الثنائية الطائفية لتتحول الى مثالثة طائفية تعطي الشيعة صلاحيات اوسع للحكم المباشر، فان هذا الطرح يصطدم بإشكاليتين:

الاولى: المتعلقة باشكالية الاعتراف بعروبة لبنان، اذ ان قسم من الطائفة الشيعية الكريمة وتحديدا حزب الله، اعلنها بصراحة مطلقة على لسان امينه العام حسن نصرالله، لا يؤمن الا بالخط الايراني الفارسي الصفوي المعادي تاريخيا وعقائديا وايمانيا وسياسيا للعرب والدول العربية والخليجية. وقد اعلنها نصرالله باعتبار نفسه جنديا في ولاية الفقيه، ما يعطينا الحق كلبنانيين بالتساؤل حول امكانية الوثوق بالحزب وبالقسم الاكبر من طائفة ومذهب تعلن ولاءها لخط غير عربي، فكيف يمكن تسليمها جزأ من مقاليد الحكم ان تم ذلك وفقا لاجندة اقليمية معلنة لا تتناسب ومتطلبات عروبة لبنان والتضامن مع القضايا العربية؟ علما ان عروبة لبنان ثابتة ومن ثوابت لبنان التاريخية والدستورية لا بل الكيانية.

فقبل اعتبار صيغة 43 منتهية دعونا نتفق على اي اساس ولائي للبنان نستطيع بناء صيغة حكم جديد بعيدا عن الولاءات الخارجية والتبعيات الاقليمية والدولية.

في خطاب شهير لسماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد يوم عيد الفطر بتاريخ 10/12/1969، حث اللبنانيين على التمسك بالوحدة اللبنانية والدفاع عنها بقوله ” … يجب ان يشعر كل واحد منا انه للبنان وان لبنان له وان من واجبه ان يحفظ لبنان من كل اذى يتعرض له … وليحفظه رداء لابناء امتنا العربية … فلبنان جزء من الامة العربية وعضو من كيانها يضيره ما يضيرها وهو يتفاعل معها ويتأثر بها خيرا ودفاعا …”.

اذ اردنا اسقاط هذا التعريف على سياسات ونهج حزب الله اليوم في لبنان، هل يستطيع الحزب ومن ورائه قسم كبير من ابناء الطائفة الشيعية الكريمة، اعتماد هذه المعايير ان اردوا المثالثة في الحكم؟

في مقدمة الدستور بند يشير الى ان لبنان عربي الهوى والانتماء وملتزم مواثيق جامعة الدول العربية، فهل يستطيع حزب الله نهجا وسياسة وادارة ان يجسد هذا الطرح الدستوري الثقافي التاريخي والحضاري، وهو الذي يسعى لجر لبنان الى محور لا يشبهه ولا يشبه اللبنانيين ممتد من ايران الى الصين؟

الثانية: الحزب وبيئته لا يقران بنهائية لبنان، فلبنان في مقدمة الدستور وطن نهائي لجميع ابنائه وهو سيد حر ومستقل، فبعدما انتفض اللبنانيون عام 2005 ورفعوا شعار لبنان اولا، اي ثبتوا وكرسوا نهائية لبنان، كان موقف الحزب (شكرا سوريا) علامة نشاز عن الخروج عن اجماع طال انتظاره منذ العشرينيات من القرن الماضي.

شكر سوريا ضرب عرض الحائط مبدأين:

مبدأ استقلال لبنان، من خلال الرغبة في استمرا ربط لبنان بازمة الشرق الاوسط بعدما نجح او كاد في الخرج من هذا الترابط القدري باتحاد المسلمين والمسيحيين لبناء دولة سيدة حرة ومستقلة لا تدين بالولاء الا للبنان. ومبدأ اقتناع الحزب وبيئته بان لبنان هو المبتغى والمبتدأ والخبر، لا اي محور خارجي اخر، لان الحزب لطالما اعتبر لبنان ساحة من ساحات المواجهة الجيو ـ استراتيجية والجيو ـ عقائدية مع الغرب واسرائيل، ما لا يتناسب وفكرة ومضامين اي ولاء اخر.

ثالثا: لا تهمنا صيغة 43 كصيغة بل ما يهمنا روحية هذه الصيغة، فعندما اتفق الرئيسان بشاره الخوري ورياض الصلح على الميثاق والصيغة ذات ليل من صيف 1943 كانا قد اتفقا على ثوابت الحكم والتاسيس التالية:

1 – لبنان يصلح لان يكون وطنا عربيا مستقلا ذا طابع خاص يطمئن فيه المسيحيون الاطمئنان الكامل ويعيشون فيه احرارا كراما، فعلى الحزب وفريقه ان يضمنوا التزامهم بهذا البند.

2 – لبنان جمهورية مستقلة استقلالا كاملا لا تربطها اية معاهدة او اي اتفاق باية دولة هو بلد سيد، فعلى الحزب وفريقه ان يلتزما بسيادة لبنان.

3 – لبنان ذو وجه عربي ولسان عربي وهو جزء من العالم العربي له طابعه الخاص ولكنه لا يقطع علائقه الثقافية والحضارية التي اقامها مع الغرب، فعلى الحزب وفريقه ان يتقبلوا هذه القاعدة ويحترموا حق الغير بالتعامل بها من دون تخوين او تكفير او عدائية.

4 – لبنان مدعو للتعاون مع الدول العربية والى دخول الاسرة العربية، فعليه ان يحفظ التوازن بين الجميع والا يميل مع فريق (يومها كانت المحاور الاقليمية تشهد تجاذبات بين الهاشميين وعبد العزيز ال سعود وكان الملك فاروق في مصر يماشي الرياض ضد عمان وبغداد)، فما رأي الحزب بالامس الذي يشبه اليوم مع فارق الدول المحورية واللاعبين الاقليميين؟

5 – توزع جميع المناصب في الدولة على جميع الطوائف بالانصاف مع مراعاة الكفاءة، فهل للحزب وفريقه قدرة على طلب العكس؟

وبالتالي، الغاء صيغة 43 كما هو مطروح يعني الغاء هذه الثوابت التي بني عليها النظام اللبناني والذي تكرس بدستور الجمهورية الاولى ومن ثم ثبت بدستور الجمهورية الثانية.

رابعا: اذا كان المطلوب من الغاء صيغة حكم 43 الذهاب الى دولة المواطنة، كما قيل، فدولة المواطنة الحقيقية هي الدولة العلمانية التي تثبت قيم الانسان المواطن وتعتبرها معايير الحكم والادارة وقيادة الدولة، وعندها يجب البحث في العديد من صيغ الحكم بدء من اللامركزية الادارية الموسعة وصولا الى الفدرالية تحت الف صيغة وصيغة (جغرافية – ديمغرافية – انمائية …). فلا يكفي الغاء صيغة 43 بل لا بد من ايجاد البديل. فهل جميع اللبنانيين اليوم مستعدين لبحث البديل؟ وهل البديل المطلوب يتناسب مع التوازنات التاريخية ومع نظرة موحدة للبنانيين لاي لبنان يريدون واي دور للبنان؟ فاي لبنان نريد اذا الغينا صيغة 43؟ لا بل على اية صيغة نستطيع الاتفاق ان كنا الى الان عاجزين عن ايجاد حل للدويلة ضمن الدولة؟

لذلك يجب على الفريق الذي يطالب بالغاء صيغة 43 ان يبدا بنفسه وبذاته في الاعتراف بنهائية الهوية اللبنانية والسيادة اللبنانية ويخرج من ارتباطاته الاقليمية كي يستطيع ان يطالب مطمئنا بصيغة حكم جديدة له ولسواه تحظى بثقة المكونات كافة، والا فإن مثل هذا الطرح اشبه ما يكون في مثل هذه الظروف الداخلية والاقليمية والدولية باعلان حرب اهلية جديدة لا سمح الله او مشروع تقاتل بين اللبنانيين في لحظة تشابكات واعادة حسابات استراتيجية وسياسية في المنطقة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل