
تعالت بالأمس أصوات نشاز نعت ميثاقية بشارة الخوري ورياض الصلح. لكأن هؤلاء أصابهم انتفاخ نتيجة تملكهم فائض قوة، حتى باتوا يشعرون بأنهم أكبر من الوطن. وتناسوا كلهم بأنه ما من أحد أكبر من وطنه، ولا يستطيع الانسان أن يجعل من الوطن حاضنة لقوته بل العكس صحيح على عكس ما هو سائد، الانسان الحر هو الذي يحضن وطنه. فهل سيستطيع لبنان تخطي هذه الموجة الداعية إلى نسف كيانيته؟ أم أنه سيرضخ للمنادين بتغيير الصيغة؟
ما لا شك فيه أن لبنان وطن فاعل في محيطه، لذلك يخافونه. يوم طالبت المقاومة اللبنانية بشكل من اللامركزية في الحكم اتهموها وقتها بأنها تريد تقسيم لبنان؛ وخاضوا حروبًا شعواء حتى وصلوا في نهايتها إلى صياغة نظام لامركزي حضاري رائد في المنطقة، كما طالبتهم المقاومة اللبنانية؛ وقوة هذا النظام أنه استطاع الحفاظ على الكيانية اللبنانية التي قاوم اللبنانيون أعتى الاحتلالات وأظلمها في العالم ليحققوا الوطن الحلم في الكيان الذي لطالما طمحوا إليه.
كذلك لبنان يتأثر جيوبوليتيكيا بمحيطه. من هنا، نستطيع أن نتفهم سياسة المحاور التي تؤثر فيه، لكن ما لم نفهمه وما لا نقبله اليوم، هو نفسه الذي رفضناه منذ ثلاثين سنة. لا نريد للبنان بأن يكون منصة لأي محور في مواجهته نقيضه. وبالطبع هذا لا يعني أن يصبح لبنان انعزاليا مغلقًا عن محيطه. فلبنان في قلب الصراع القائم في المنطقة بالنسبة إلى القضية العربية، وذلك لأنها مؤثرة في القضية اللبنانية. لكن حصانة الكيان اللبناني وحياد الدولة اللبنانية عن صراعات المنطقة عامل جوهري في ثبات هذا الكيان.
وما انخراط حزب الله في صراعات المنطقة كافة، بعد امتلاكه ترسانة من السلاح خارج إطار الدولة، إلا مزيدًا من الامعان في تدمير هذا الكيان. لذلك، انتقل الصراع بين الأمس واليوم من صراع على السلطة والنظام إلى صراع على الصيغة والكيان. وهذا ما هو أخطر بكثير من المقاومة التي خاضها اللبنانيون مع الفلسطينيين الذين أرادوا إنهاء القضية العربية على حساب القضية اللبنانية.
الحرب صارت حربا كيانية، ويخطئ من يظن اليوم أن الانتفاخ الذي امتلكه المكون الحضاري الشيعي لن يستخدم في الداخل اللبناني. وما لا نريده هو الدخول في صدام كياني بين المجموعات الحضارية اللبنانية. لذلك الكل مدعو اليوم قبل أي يوم إلى تلقف اللحظتين الدولية والاقليمية لتحصين القضية اللبنانية لا للقضاء عليها. وذلك لا يكون إلا بإعادة إنتاج السلطة السياسية لأن ميزة النظام الديمقراطي تكمن في أنه يستطيع تطهير ذاته بذاته.
من هنا، يبدأ التغيير في لبنان من خلال حياة ديمقراطية سياسية سليمة لأن زمن الانقلابات قد ولى في الالفية الثالثة مع انتشار الوعي السياسي الحضاري. لذلك المطلوب اليوم انتخابات نيابية مبكرة وليس تغيير كيانية لبنان من خلال تغيير الصيغة الميثاقية التي اتفق عليها رياض الصلح وبشارة الخوري بما يجسدان، أو صيغة الطائف لما تجسده هذه الصيغة أيضًا. بالانتخابات النيابية نستطيع تغيير السلطة السياسية لأن الناس بعد 17 تشرين قد تحررت وهي باتت مستعدة ومتشوقة للتغيير. والقانون الانتخابي الذي عمل اللبنانيون أكثر من عشر سنوات للوصول إليه صالح وموجود. قد يحتاج إلى لمسات تعديلية في بعض دوائره لتحقيق الانصاف، لكنه موجود وفاعل وقادر على إنتاج سلطة سياسية ضمن الميثاقية اللبنانية.
أما الذين ينادون اليوم تارة بقانون انتخاب خارج القيد الطائفي، أو الذي ينادون بإسقاط الصيغة اللبنانية فهم لخدمة المشروع الأيديولوجي الواحد الذي يتناقض والقضية اللبنانية القائمة على التعددية والعدالة والمساواة بين المجموعات الحضارية في كيانية لبنانية واحدة موحدة أثبتها التاريخ الوجودي للبنان. من هنا، فليطمئنوا جميعهم. من دافع عن تاريخه الوجودي يومًا، هو مستعد في كل يوم للدفاع وبالشراسة نفسها كي لا نقول أكثر. وما إن يتم التحرر السياسي للمجموعات الحضارية كلها من تبعياتها الأيديولوجية كلها، عندها قد نبحث في تطوير الصيغة اللبنانية القائمة على ميثاقية الطائف وبشارة الخوري ورياض الصلح وما تمثله هذه الميثاقية.
ولا يرفعن أحد السقف لحرف الأنظار عن اللعبة السياسية الديمقراطية المتمثلة بالانتخابات النيابية. وليعوا جيدًا أن المومنتوم الدولي لم يعد لمصلحة مشروعهم الأيديولوجي؛ ولا كيانية تحميهم إلا الكيانية اللبنانية. وعدا ذلك المقاومة اللبنانية مستمرة، إن أخذت شكلا مغايرًا، فهي مستعدة في كل لحظة لتستعيد تاريخها. ومن له آذان للسماع فليسمع.