
عندما يتم الحديث عن عظمة ترسانة حزب الله العسكرية وامتلاكه لمئات الآلاف من الصواريخ الدقيقة والاستراتيجية، ننسى أن ترسانة حزب القوات اللبنانية العسكرية كانت مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية توازي ضعفَي قوة الحزب العسكرية، حيث امتلكت القوات مئات الدبابات والمدرعات وراجمات الصواريخ، إضافةً إلى طائرات مروحية وزوارق حربية، إلى جانب هيكلية تنظيمية وإدارية هائلة وكأنها دولة متكاملة.
هذه القوة نشأت في زمن اللادولة وزمن الاضطهاد وزمن النضال من أجل الدولة، وعندما بدأت ملامح الدولة ترتسم في اتفاق الطائف والتي كانت شريكاً أساسياً فيه، سارعت إلى الانخراط في مشروع بناء الدولة لأن قائدها سمير جعجع كان يدرك أن تعاظم شرعية الدولة أهم بكثير من تعاظم أي قوة داخلها، وأن تعاظم دور حزب القوات اللبنانية يأتي من خلال الدولة وليس من خلال نخرها.
نخر الدولة
أما حزب الله الذي هو أيضاً بنى ترسانته العسكرية تحت شعار تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه حينها كان يحظى بغطاء ودعم جميع اللبنانيين ومختلف الدول العربية انطلاقاً من الهدف الوطني المعلن حينها، إلا أنه وبعد تحرير الجنوب في العام 2000، بدأت تظهر ملامح وأهداف أخرى قبل أن تنكشف في العام 2008 حول هدف هذا السلاح ووجهته، والذي تبين أنه بات سبباً من أسباب تدمير المجتمع ونخر الدولة وإنشاء دويلة بديلة تصبح هي الدولة في الزمان الذي تراه مرجعية هذا الحزب مناسبًا.
المقارنة بين ما امتلكته القوات اللبنانية حينها وما يمتلكه حزب الله اليوم، يأتي في سياق تأكيد الهدف من امتلاك السلاح، فالقوات والجبهة اللبنانية أرادتا من السلاح كسر مشروع جعل لبنان وطناً بديلاً، وبالتالي كسرت مشروعاً كان يناسب إسرائيل،
وعندما رأت أن السلاح سيكون عقبة أمام مشروع قيام الدولة لم تتأخر عن حل ميليشياتها وتسليم سلاحها، في حين أن اليوم،
وبعد أن حقق سلاح حزب الله أهدافه اللبنانية بتحرير الجنوب وبات يشكل هذا السلاح عبئاً ثقيلاً على اللبنانيين، وعندما أرادت السلطة البدء بفرض هيبتها، لم يتأخر هذا السلاح على مواجهة الدولة والشعب في العام 2008، ولم يتوانَ هذا السلاح عن تحوله إلى قاتل مأجور يذبح الشعوب العربية من سوريا إلى العراق واليمن والبحرين، لا بل ذهب أبعد بكثير، حيث استولى على الحكم في لبنان بعد مرحلة من التهديد والوعيد وقتله لقيادات وشخصيات وطنية.
مقاومة سياسية
القوات اللبنانية استبدلت ترسانتها العسكرية بترسانة برلمانية، واستبدلت مقاومتها العسكرية بأخرى سياسية تواجه الفساد والسرقات كما تواجه مخططات إخضاع لبنان وجره الى محور إقليمي لا يشبه ماضيه ولا مستقبله، في حين ذهب حزب الله بعكس ما قامت به القوات تماماً، ففي زمن الدولة أسقط الدولة، وفي زمن الشراكة أراد الاستيلاء منفرداً على الحكم واستبعد كل من أراد قيامة حقيقية للبنان، ورفع شعار حماية السلاح مقابل حماية الفساد فحظي برزمة من القوى السياسية التي خضعت لإرادته وأمسكت السلطة وفرطت بالسيادة مقابل مصالح آنية ومرحلية.
السجن
يقال في بعض الأوساط همساً، أن حزب الله لن يسلم سلاحه لأن تسليم السلاح قد يدخل أمينه العام حسن نصر الله السجن كما حصل مع جعجع، كما يقال همساً أيضاً أن السلاح مقابل مؤتمر تأسيسي تنال من خلاله الطائفة الشيعية حضوراً أوسع في السلطة السياسية، ولكن الجميع يعلم أن هذا الهمس تنقصه الدقة والتصويب، فلا جعجع دخل السجن نتيجة تسليم سلاحه ولا نصر الله قد يدخل السجن نتيجة لذلك، ولا علاقة لتسليم السلاح بدور الطائفة الشيعية الوطني، فللتذكير أن جعجع دخل السجن بعد رفضه الرضوخ للاحتلال السوري الذي استجد تحت شعار “الوصاية”، ورفض منطق تمييع اتفاق الطائف.
يمر لبنان بإحدى أبرز محطاته التاريخية، لا بل يمر بمرحلة القيامة أو الموت، ولا بد من وقفة حقيقية، ولا بد من موقف موحد من جميع اللبنانيين ضد أي سلاح غير شرعي موجود على الأراضي اللبنانية، وحزب الله مطالب بالتنازل عن تكبره وفوقيته وتعاليه، فما يواجهه لبنان بات أكبر وأهم من أي دور محلي أو إقليمي، وعلى الحزب الاتعاظ من الماضي والانخراط في مشروع الدولة كونها الحامي الأول والأخير لأي مكون وطني، واذا ما كان هناك من طرح لتعديل النظام السياسي فإن ذلك لا يحصل لا بالاستقواء ولا بالمقايضة انما بحوار متوازن تحت مظلة الدولة والمجتمعين العربي والدولي.