أبعد من لاسا

طفت في الآونة الأخيرة على وجه بحر السياسة الهائج قضية قديمة جديدة، هي أراضي لاسا البلدة الرابضة في  جرد جبيل التي تمتد على مساحة عشرة ملايين متر مربع. ويعود أصل الاسم بحسب أنيس فرنجية إلى اللغة العبرية القديمة ويعني “بلدة الله” أو المكان الذي يعبد فيه الله. وتتكون من المكونين الحضاريين الشيعي والماروني.

وعرفت لاسا بالخلاف العقاري الذي تجلى بين الأهالي الذين ينتمون إلى الطائفة الشيعية الكريمة، ومطرانية جونية المارونية حيث يعتدون على أراضيها؛ وعاد هذا الخلاف إلى الواجهة بعدما قررت المطرانية إعطاء أهالي المنطقة جزء من الأراضي للاستفادة من زراعتها، فتصدى لهم من هم مِن المكون الشيعي، وحاولوا منعهم من استثمار هذه الأراضي. ما استدعى ذلك رداً مباشراً من المطرانية ومن فعاليات المنطقة السياسية والدينية.

واللافت في هذه المسألة أن المرجعيات الشيعية، لا سيما تلك التي تعود إلى فريق حزب الله، ما فتئت تردد بأن هذه الأراضي هي للشيعة وقد أتاها الموارنة غزاة. فعلى حد المثل العامي القائل: “خذونا بحلمكم”. لكأن تاريخ الوجود مقلوب. لا يهم هنا البحث في صكوك الملكية وأحقية من يملك هذه الأرض أولا. يكفي قراءة بسيطة لتاريخ منطقة جبيل ليعرف القاصي والداني لمن تعود ملكية هذه الأراضي. ولعل كنيسة مار يوحنا مرقس التي يعود تاريخ بنائها إلى العام 1115 على أنقاض كنيسة قديمة جدا على اسم القديس يوحنا مرقس، الانجيلي الثاني، والتي هدمت في زلزال سنة 555، هي خير شاهد على وجود الجماعة المسيحية الأولى في جبيل.

اللافت في هذه المنطقة هو التغيير السوسيولوجي الذي أدى إليه ظهور حزب الله فيها. لكن هذا الظهور لن يستطيع تغيير الجغرافيا. هنا تظهر المشكلة الأساسية التي لا تنحصر في الخلاف العقاري وحول أحقية المسح الذي جرى في العام 1939، بل الحقيقة كل الحقيقة تكمن في هذا التحول بالذات التي تعتبر لاسا فصلا صغيراً من فصوله. لذلك القضية أبعد بكثير من قضية خلاف عقاري بل هي تعود إلى تثبيت وجود حضاري في هذه الأرض للمكون الشيعي بقوة السلاح الذي سمح لأهالي هذه البلدة رفض تنفيذ قرار مطرانية جونيه باستثمار أراضيها هناك.

فالخلاف إذا أبعد من لاسا بكثير،  يكفي  العودة إلى الخطاب المسجل الذي ألقاه أمين عام حزب الله قبل أن يتولى مهامه الرئاسية في الحزب، حيث قال بأن أراضي جبيل وكسروان هي للشيعة وقد أتاها الموارنة غزاة، إضافة إلى اعترافه العلني  بمشروعه البعيد المدى حيث قال: “في الوقت الحاضر ليس لدينا مشروع نظام في لبنان بل نحن نعتقد بأن علينا أن نزيح الحالة الاستعمارية والاسرائيلية وحينئذ يمكن أن ينفذ مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الاسلامية وحكم الاسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الاسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي  الفقيه الإمام الخميني”.

وما بين تحرير جبيل وكسروان من الاستعمار المسيحي الذي لم يسمه بصراحة، وما بين التحرير من الاسرائيلي، يبدو أن بعد انتهائه من الثاني ها هو ينصرف إلى التحرير الأول الذي يراه الأهم. فالصراع كان ولا يزال كيانياً وجودياً ومن يعتقد بأن المسألة مسألة عقارات أو مسألة مسح فإنه لمخطئ، لم يدرك بعد الحقيقة الوجودية. وما لم يقتنع الحزب بعد بدخول الكيانية اللبنانية فلن يستطيع تحقيق كيانيته لأن المكون اللبناني أكبر من أي مكون آخر. لذلك كله، عليه أن يبحث في مكان آخر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل