.jpg)
اولا: كنا كمسيحيين ومنذ الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل اول من نعى الصيغة، ويومها نعتنا بشتى النعوت وتم تخويينا واعتبارنا انعزاليين، لأننا أدركنا ومنذ الحرب الاهلية، ونتيجة تراكمات تاريخية لأحداث وثورات منذ العام 1958 ان الخيار المسيحي للبنان الذي كان نعمة، بات ايضا في نفس الوقت، نقمة، لأننا كمسيحيين لم نرد يوما ان تكون الهوية الوطنية مسيحيّة فقط بل لبنانية، إليها يَنتمي مواطنون من مختلَفِ الطوائفِ والمناطقِ والعقائد. صهرهم النموذج اللبناني، بل الأمّةُ اللبنانيّة، ورؤية حياة لبنانية.
ثانيا: اختار المسيحيون منذ سنةِ 1920 النظامَ المركزيَّ القويَّ من أجلِ جمهورية لبنانية موحدة واحدة تحتضن وطنا نهائيا لكل ابنائه كما جاء في مقدمة الدستور، أرضاً وشعباً، وبمثابة نموذجِ شراكةٍ ثقافية ـ دينيّةٍ ـ حضاريّةٍ ـ سياسيّةٍ من لبنان إلى العالمِ العربيّ ومن الشرقِ إلى الغرب لا بل رسالة فريدة الى الامم والشعوب كما قالها الباب القديس يوحنا بولس الثاني.
وعلى الرغم من المطبات والتجارب والصراعات المتتالية – تمسك المسيحيون عبر مرجعياتهم التاريخية والوطنية، هذا الخيار عند كلِّ منعطفٍ تاريخيّ :كما مع استقلالِ 1943، وبعد أحداثِ 1958، وبعد حربِ السنتين (1975/76)، وبعد استحقاق 1982 الرئاسي – عندما اعلن الرئيسُ الشهيد الشيخ بشير الجميل أنّه “يريد حكمًا مركزيًّا قويّاً”، فتابع المسيحيّون الالتزامَ بالدولةِ المركزيّةِ حتّى بعد اتفاقِ الطائف سنةَ 1989.
ثالثا: واليوم بعد مرور مئةِ سنةٍ على هذا النظامَ المركزيَّ، الجيّدَ بحدِّ ذاتِه، نراه يعيش يتيماً ومعزولاً. لان اللبنانيين هجروه، كلٌّ حسب طريقتِه وحضارتِه، وبنوا لهم منفردين ومتفردين، أَنظمةً ذاتيّةً موازية غيرَ شرعيّةٍ سواء أثناءَ الحروبِ، وتحت غطاءِ الشرعيّةِ منذ الطائف إلى اليوم وصولا الى السلاح غير الشرعي لدويلة حزب الله، ما احبط النظامُ المركزيُّ الذي بات غير متناسب مع الواقعِ الذي يهدد التعدّديةُ اللبنانيّة المتناثرة والمفتتة.
وفي العام 2005 وفي خضم ثورة الاستقلال الثانية، توحد المسلم مع المسيحي في اعتبار لبنان الاولوية الوطنية (لبنان اولا) فيما انفصل المكون الشيعي وبعض من حلفائه المسيحيين وعلى رأسهم التيار الوطني الحر، ولو لاحقا عن الثورة، ومنذ ذلك الحين عِوضَ أن تَتطوّرَ تلك الدولة المركزية، وتفعل وتقوى، وتُنضج، اذا بها تتراجع الى سنوات ما قبل الحرب الاهلية، والثورات والتناقضات الداخلية، وتصبح متناقِضةً بحكمِ تعدّدِ الولاءاتِ الخارجيّةِ، (قبلا كان ولاء قسم من اللبنانيين للسلاح الفلسطيني، ومن ثم قسم اخر فيما بعد اعتنق الاحتلال السوري، والنظام الأمني، وصولا الى من يوالي اليوم الجمهورية الاسلامية الإيرانية، واجندة النظام الإيراني، مع ما استتبع ويستتبع ذلك كل مرة وحاليا من تَغـيّـرِ أنماطِ الحياةِ والمعادلات الداخلية واهتزاز الثوابت الوطنية التاريخية والتوازنات التي تزداد هشاشة مع كل اختبار، وصولا الى اللجوء السوري وكافة انواع الاضافات السكانيّةِ عبر التجنيس والتوطين القسري.
رابعا: اما في ما خص طروحات الفدرالية، وسواها، فيجب الا يغيب عن بال احد من ان حشر اي فريق في زاوية الخيارات الصعبة بين دولة احادية يسيطر عليها مكون لبناني ويتحكم بسائر المكونات، بمصيرهم وقرارهم الحر واستقلالهم، وسيادتهم، وبين دولة ظاهرها موحد فيما مؤسساتها ومقدراتها يتآكلها الفساد والتحاصص، سيؤدي الى اخراج العديد من الطروحات البديلة، واعادة تظهيرها، والتي لم تكن يوما هدفا بحد ذاته، خصوصاً ان المكونات السيادية والاستقلالية، ضاقت ذَرعاً من تدهورِ المشروعِ اللبنانيِّ الذي قدّمت في سبيلِ إنقاذِ صيغتِه الافِ الشهداء وحتى التنازلاتِ الجسيمة أحيانا، ولم تعد تَقبلُ أن تبني الدولة الحاليّة نظاماً فدراليّاً مع طوائف ونظام مركزي مع طوائف أخرى. فإما صيغة دولة مركزيّةٌ على الجميع وإما صيغة فدراليّةٌ على الجميع، وبالتالي سقوط دولة الدويلات والجزر الامنية والسياسية .
فلا ننسى انه ومنذ منتصف القرن الماضي ومكوّناتٌ لبنانيّة تُناصرُ انظمة وحكام وزعماءَ غيرَ لبنانيّين ومشاريعَ غيرَ لبنانيّةٍ ودول ومحاور اقليمية ودولية، وتُضحّي بالشَراكةِ الوطنيّة، الى ان بلغنا الذروة مع بروز الحالة الشيعية وتأسيس دويلة حزب الله الايرانية في قلب التركيبة اللبنانية الهشة أصلا.
فتفاقم الفلتان اللاوطني، وجنح الاعتدالَ الدينيَّ مدعوما بفائض القوة، في جزء منه نحو التطرّف، بحيث تحوّل لبنان ساحة عسكريّة مفتوحة ضاربا عرض الحائط بالصيغة والميثاق وبالدستور والشراكة وبضمانات وخصوصيات سائر المكوّنات، وها اننا في لب الأزمةُ نتيجة المراهنات والاستقواء والارتهان للخارج .
خامسا: المطلوب للبنان نظام مركزيَّ يَصلُح لدولةٍ تتنافسُ مكوّناتُها للمشاركةِ في الحكمِ وفي تقديم الافضل للبلاد، لا نظاماً مركزياً لدولةٍ تَتصارع مكوّناتُها للسيطرةِ على الحكم وتتناتش مكوناتها صلاحياتها وتسخر مكونات اخرى قدراتها وسياساتها واستراتيجياتها لخدمة اجندات خارجية لا تمت بصلة للمصلحة اللبنانية العليا.
فالنظامَ المركزيَّ الذي ارتضاه اللبنانيون كان معد ومطلوب منه ان يكون مشروعَ شراكةٍ، لا ان يتحول الى مشروع حروب أهليّةٍ على وقع ومصالح المشاريعِ الإقليميّةِ التي تورطت مكونات لبنانية فيها حتى التبعية الكاملة والارتزاق لها.
لا يمكن ان نقبل بأن تبقى الدولة اللبنانيّة المركزيّة ساحة استمرار للصراع بين المسيحيّين والسُنّة والشيعة والدروز من أجل السيطرةِ عليها بمشاريع طائفيّةٍ داخليّة (تارة المارونيّة السياسيّة وتارة اخرى السنيّة السياسيّة وطورا اخر الشيعيّة السياسيّة وخصوصيّات طوائفية ومناطقية) فضلا عن مشاريع مذهبيّةٍ خارجيّةٍ.
من هنا، لم يعد بالإمكان الاستمرار في العيش في انفصام مرضي بين العيش المعلن في نظامٍ مركزيِّ والعيشِ التبعي الفعلي خارجَ الدولةِ، لان في ذلك اكبر خطر على وِحدةِ لبنان التي تَهددت منذ سنة 1958 ولم تَتعاف الى الان على الرغم من مراحل زمنية من الهدوء والاستقرار مع الحكم الشهابي، والذي كانت مراهناته اكثر على الاكثرية المسلمة منها على المسيحيين آنذاك لتوطيد اسس الحكم ومداميك الامن، بالتوافق مع الجمهورية العربية المتحدة وتحديدا مع الرئيس جمال عبد الناصر
فالمسيحيون اللبنانيون عندما يطرحون النظامِ الاتّحادي، لا ينطلقون من اعتبار ديني او عقائدي، بل من رؤية تهدف الى تشييد إطارٍ دستوري مركَّب يقف صدا منيعا في وجه التقسيمِ، ويضمن وحدة لبنان شعبا وترابا ومؤسسات وهوية.
سادسا: حتى الزعيم كمال جنبلاط كان قد توصل الى قناعة بالفدرالية، انطلاقا من قراءة واقعية براغماتية للتركيبة اللبنانية التي عانت ما عانته من تجارب ان دلت على شيء فعلى بديهية فطرية للفدرالية، اما إذا كان الاخرون يريدون نظاماً غير النظام الاتّحادي بديلاً عن المركزيّة التي اسقطها غير المسيحيين فلن يعارضوا شرط ان يكون البديل ضامن لصيغة حكم وادارة ومشاركة ندية تضمن المشاركة وسيادة البلاد لكل المكونات اللبنانية ولكل لبنان.
من هنا، فان ما جاء في خطبة الفطر للشيخ احمد قبلان، دليل على أن المسيحيين ليسوا الوحيدين الذين تطلعوا ويتطلعون الى نظام “معاصر ومنفتح بل كلّ لبنانيّ، مسيحيا كان او مسلما، لان الاحباط والتراجع والفشل طال جميع المكونات.
اذا كان كل لبناني يريد وطناً يضمن مستقبل الابناء والارض، ويضمن أمنِه وحرّيتِه، فما هي الصيغة التي يريدون؟
لا يكفي القول بسقوط صيغة 43، بل المهم ان نطلع بالبديل، الذي يجب ان يبنى على قناعة الجميع بان لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه وان الولاء الوحيد المسموح هو الولاء للوطن، حيث التعددية مضمونة والمشاركة في الادارة مصونة والاستقلالية لكل مكون في خصوصياته منظمة.
فكيف نبحث عن صيغة جديدة والمكونات اللبنانية ليست سواسية في القوة المادية التي تسعرهم بالقدرة على ندية في التعاطي مع الاخرين؟
وكيف يمكن ان نتفق على صيغة ترضي المتطلبات الجماعية المشار اليها أعلاه، وثمة من لا يسمع ولا يقتنع ولا يرضى باعتبار نفسه مكونا فوق سائر المكونات، وارادته فوق ارادة الاخرين.
فالاستمرار في الوضع الحالي، حول ويحول كل يوم الدولة والوطن الى حلبة وطنٍ منقسم ومشتت، حيث قراره مصادَرٍ وسيادته مسلوبة وولاؤه عبارة عن مشاريع توسعيّةٍ.
لطالما اهتز الكيان عند كل مفترق وكل انتكاسة اقليمية او دولية – لولاء عقائدي او ديني او ثقافي او سياسي او استراتيجي.
اذا كانت صيغة 43 سقطت بنظر البعض، واذا كانت الفدرالية مرفوضة لان البعض يعتبرها تقسيماً، وإذا كانوا لا يريدون الطائف بدليل تنكر قسم من اللبنانيين له، فأية صيغة اذا يمكن اعتمادها في لبنان؟
