#adsense

أمثولة لا يفنيها الموت

حجم الخط

كتب الكاردينال بشارة بطرس الراعي في “المسيرة” – العدد 1706

 

البركة الرسولية

تشمل أسرة مجلة “المسيرة” المحترمين

تخصصون عددًا لذكرى المثلّث الرحمة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وطلبتم أن أكتب كلمة في المناسبة. فأشكركم على المبادرة المزدوجة. فاخترت عنواناً لكلمتي: “البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير أمثولة لا يفنيها الموت”. إن شخصيته بمَثَله الصالح والفاعل والبنّاء، تبقى ماثلة أمامنا. فقد عايشته منذ انتخابه بطريركاً طيلة خمس وعشرين سنة، قضيت منها بقربه السنوات الأربع الأُوَل من بطريركيته، كنائب بطريركي عام من تموز 1986 الى تموز 1990، وإحدى وعشرين سنة كمطران لأبرشية جبيل، وأخيرًا كبطريرك مدة ثماني سنوات بعد تقاعده.

إنه هو هو في كل محطات حياته: رجل إيمان راسخ على الصخر، ورجل صلاة وصمت وتأمّل، ورجل حكمة وفطنة وإصغاء، وخادم للحقيقة يقولها بشجاعة من دون مواربة أو محاباة، متمسّكاً بها مهما واجهه من رفض من الذين لا تناسبهم. فقد علّمته الحياة وتاريخ أسلافه البطاركة الموارنة ألاّ يعطي الحقيقة لوناً. فهي صافية كالماء. كان يدرك، في جو الإنقسامات السياسية القائمة، أن الحقيقة الواحدة التي يقولها اليوم يرتضيها هذا الفريق لأنها تلتقي مع حساباته، وينزعج منها الفريق الآخر. وتلك التي قالها في ظرف آخر ينعكس القبول بها ورفضها عند الفريقين إياهما. إنه بالحقيقة أمثولة لا يفنيها الموت.

لقد علّمنا الكثير بمثله ومواقفه وأفعاله. علّمنا الصبر بوجه المحنة، والمغفرة بوجه الإساءة، والتعالي بوجه الجراح. علّمنا أن كل شيء يتبدّل، وأن الله وحده لا يتغيّر، وأن الكل ينبع من جودته: الحقيقة والمحبة والحرية والعدالة والسلام. كنت أسمّيه بطريركاً فولاذيًا، يعيش بقوة الإرادة. إذا لم يأكل فهو قادر على تحمّل الجوع، وإذا لم يشرب فعلى حرمان نفسه من الماء.

لم يطلب يومًا لنفسه شيئاً. هكذا عشنا معه في الصرح البطريركي وتعلّمنا عيش البساطة والتقشّف والإكتفاء بما يقدَّم على مائدة المحبة المشتركة.

في الذكرى السنوية الأولى لانتقاله من بيننا الى بيت الآب، نواصل سيرنا متكلين على تشفّعه من أجلنا لدى العرش الإلهي. إن كلمته التي كان يرددها: “لن أكون الحلقة التي تنكسر” تتردد في أعماق ضميرنا، وتزيدنا ثباتاً في المسؤولية.

رحمه الله وأرسل الى كنيستنا رعاة على مثاله، “وبحسب قلب الله” (إرميا: 3:15).

عن كرسيّنا في بكركي، في 12 أيار 2020

في الذكرى الأولى لوفاته

الكاردينال بشارة بطرس الراعي

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل