الوطن ليس مؤجلاً وليس للإيجار

 


جعل أحد المفكرين السوسيولوجيين المواطنة عقيدة يوالي عليها الناس، ويعادون، وأدرج الوطن في هالة التقديس، بحيث يصير الحب فيه، والبغض لأجله، والقتال في سبيله، فيطغى الولاء له على كل رابطة. ولما كان الولاء هو البيئة الحاضنة الدائمية لأفراد الجماعة مستقلين ومتجمعين، وجب أن تكون إستراتيجية تعزيز الهوية الوطنية وحدها ما يشغل المنظرين والمتناظرين، قبل الخوض في مناقشة أية استراتيجية موازية. علماً أن الذين يسعون الى تلزيم الوطن والدولة بإستراتيجيتهم الهجينة، لا يعيرون اهتماماً لمفهوم الهوية الوطنية وكأنها لا تعنيهم. من هنا، يجب أن يشكل مفهوم الهوية مقدمة محصنة إلزامية لأية تفاصيل تلحق بها، ولا سيما بعد التطورات المتعاقبة والخطيرة في مسألة الانتماء المتشعبة التوجه، والتي باتت معلنة وسافرة الوجه، وتحاول أن تبدل في انحياز الوطن الى الديمقراطية والحرية، ليمتشق الأغلال بدلاً من نور الحضارة. وهذا يعني إرجاعنا الى زمن حبوس القيم، زمن عصر الحجر.

تشكل الهوية الوطنية، بالنسبة لمسيحيي لبنان، منظومة اجتماعية وأخلاقية، وقضية التزام عمومي بقيم جوهرية تتنزل في زمن الوطن، وتسهم في صوغ حقيقة المنتسبين إليه. والهوية لم تكن يوماً عمليةً تنتمي الى ترف فكري نظري، إنما هي نشاط دؤوب فائق الأهمية يترجمها المسيحيون الى سلوكٍ، ونمط حياة، وطموحٍ وجودي. وهذا الارتقاء في مفهوم الهوية الوطنية وفهمها، أي فهم الشخصية الوطنية، لهو رأس المعرفة.

لكن المشكلة عندنا تكمن في الإلتباس الذي يصطنعه بعض الأفرقاء حول مفهوم الهوية، ما يثير أسئلةً بنيويةً، أكثر مما يتوصل الى إجابات، فيستعر الخلاف حول حقيقة المفهوم، وتنشأ أزمة في ماهية الهوية وأبعادها، ويحاول هذا البعض، (وهذا باب من أبواب الادعاء) بأنه يتفق مع الجميع بأن الهوية والولاء لها هما أساس ترسيخ الوحدة الوطنية. لكن الشعار السياسي الذي يرفعه هذا البعض، يتلطى خلفه بعدٌ استراتيجي لا يمت الى مفهوم الهوية بصلة، لأنه مستوردٌ، وغريب عن أيديولوجيتها، وعن بعديها الموضوعي والمعرفي. مع العلم أن هذا البعض، ينبغي أن يكون، عملياً، في عداد المكونات الوطنية والنسيج اللبناني.

الهوية معطىً مقدس ثابت ونهائي، وهذا ما يؤمن به المسيحيون، وقد دفعوا لأجله شهداء، وليس معطىً تاريخياً في حالة حركة مستمرة، ما يعني أن كل فرد يولد في وطن ما، يكتسب فوراً هويته وماهيته، وبشكل دائم. لذلك، أصبح من الواجب، إلزامياً، جعل هذا الاكتساب عرضةً للمراجعة والنقد والتقويم، ليكون أكثر فاعلية في أداء وظيفته الوطنية على مستوى تحديد من ينتمون إلى الوطن فعلاً، وبالتالي، تمييزهم عن سواهم، احتكاماً الى مبادئ عامة وليس الى مواقف سياسية ضيقة، من أي جانبٍ أتت.

لعل تحديد هذه المبادئ، وهو ليس من الأمور المستعصية أو الطوباوية التي تستلزم سجالا فكرياً، يفرز المنحازين الى هويتهم عن متجاهليها. لسنا، في هذا المجال، نرمي الى تصنيع عقيدة أو إيديولوجيا صارمة، بل الى تعيين ما هو متعارف عليه في القاموس السياسي الدولي من أسسٍ تشكل أبرز مبادئ الولاء في الإنتماء. وأهمها أن تكون الهوية عامل تفعيل لحراك يعزز الكيان السياسي للدولة ومؤسساتها ووحدة شرعيتها، ويرسخ نهائية البلاد واستقلال قرارها، ويعمق الشعور بالإنتماء الى أرض وتاريخ وثقافة، ويحرر النفس من أسْر الطائفية، وحفريات القوميات، وأطر الأعراق الضيقة.

إن مشروع الوطن، عند مسيحيي لبنان، يتجاوز دينامية الصراع على السلطة، كما يروج بعضهم، ولا يخضع للنسبية أو للشك، لأنه فلسفة وجود وبقاء. وهو حد حاسم في موضوع الحرب الباردة بين الساكن في وجدانهم وبين النافضين أيديهم منه. وعلى هذا، نريد الوطن مرجعية الإيمان والفعل والسلوك وحالة ارتباط متعاظمة، لا وطناً منتهية صلاحيته، أو معروضاً فلإيجار، أو وطناً مؤجلاً بانتظار أن يرتد الكافرون به، أو يرحلوا منه الى الأبد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل