البطريرك صفير… آخر الأيام وآخر الكلام

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1706

البطريرك صفير:

آخر الأيام وآخر الكلام

الدكتور صفير: «خسرنا قامة روحيةزوربحنا قديسا في السماء»

الأحد 12 أيار 2019. الثالثة إلا 5 دقائق فجرا. الهاتف يرن في منزل رئيس مؤسسة البطريرك صفير وطبيبه الشخصي الدكتور الياس صفير. على الخط طبيب من مستشفى أوتيل ديو التي دخلها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير قبل أسبوعين بسبب إصابته بالتهاب رئوي. «خير، بو شي سيدنا؟». سأل الدكتور صفير ليصله الجواب الذي طالما تمنى أن لا يكون أول من يسمعه: «سيدنا أعطاك عمرو». وأقفل الخط.

بسكينة وهدوء رحل «المقاوم الهادئ»، تماما كما عاش… واجه التحديات بالصمت والصلاة تارة وبكلام لا يقبل الجدل وبطمأنينة المتأكّد من أحقيّة رأيه وصوابيّة كلامه، فكان قوله الشهير: «قلنا ما قلناه».

قاوم قلبه حتّى النهاية، وسلّم الروح بوداعة وسلام. عاد إلى مجد الآب السماوي، مكلّلا بغار المجد ليولد في السماء في زمن ميلاده على الأرض، وحمل معه لبنان وشعبه أمانة ليبقى الوطن الذي صلى العمر كله ليبقى وطن الحرية والكرامة والسيادة والعيش المشترك والعزّة والاستقلال.

الثالثة إلا خمس دقائق لحظة كتبت نهاية مشوار عملاق من لبنان قضى العمر معلماً ومناضلاً وصانعاً للتاريخ. كبير حمل عصاه الخشبية وطالب بانسحاب الجيش السوري بعد عهد وصاية دام 30 عاماً، فكان نداء الإستقلال في أيلول 2000 والإنسحاب السوري في نيسان 2005…

عن تلك اللحظة يتحدث الدكتور الياس صفير وما سبقها من محطات في الأسبابيع الثلاثة الأخيرة من مشوار البطريرك صفير على الأرض. ويكشف للمرة الأولى عن الأحاديث التي دارت بينهماوآخر كلام اللبطريرك ووصيته الأخيرة. ويبقى الكثير من مخزون من أعطى بكركي مجداً إستثنائياً وسلمه أمانة للخلف… فاشهد يا تاريخ!.

عندما أدرك البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ان الوقت حان لتقديم استقالته طرحها مختارا، ليكون أمثولة في الديمقراطية والتناوب على تحمل الاعباء والمسؤولية. في 15 آذار 2011 اي قبل شهرين من اليوم الذي ابصر فيه النور في 15 أيار 1920 سلّم الأمانة لخلفه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي واختار البقاء في بكركي، فكان شامخاً في قراره، صلبا، على رغم ثقل الأعوام ال91 وثابتاً في التزاماته تجاه نفسه وربه. كيف لا وهو الذي أمضى العمر رافضا لغة المجاملة والابتسامات الصفراء والأحاديث الخشبية. لكن تنحيه لم يلغ تاريخا صنعه في مجد بكركي منذ انتخابه بطريركاً على رأس الكنيسة السريانية الأنطاكية المارونية في 19 نيسان 1986.

صحيح ان البطريرك صفير اكتسب من معلمه، إذا صح التعبير، البطريرك مار بولس بطرس المعوشي الموقف الصلب، إلا انه حافظ بما اكتسبه من سلفه البطريرك خريش على المرونة. فكان اذا أراد اتخاذ موقف حاسم غلّفه برداء من حرير، مما جعل مواقفه تنطبع في النفوس وتترك اثراً مشابهاً لما خلفته عظة البطريرك المعوشي في إحدى مناسبات عيد مار يوسف في مدرسة قرنة شهوان في منتصف الستينات عندما دعا الحكام الى «تكنيس» لبنان، مضيفاً «اذا لم تكن عندكم مكانس، فنحن مستعدون لتقديمها لكم» وعلى خطى سلفه البطريرك المعوشي ترك البطريرك صفيربصمات في تاريخ وطن راهن فيه على رسالة الحوار والشراكة مع المسلمين في وقت كانت بعض القيادات المسيحية تراهن على ان لا حوار مع المسلمين إنما مع من ينوب عنهم ويسيّرهم. فكانوا يختارون او يختصرون الطريق في التوجه إلى سوريا وهناك كانت تحل كل الأمور على طريقتهم.

البطريرك صفير اثبت العكس. رفض الذهاب إلى سوريا وقال: «لن أذهب إلى سوريا في زيارة سياسية إنما رعوية إذا استلزم الأمر». قالها وفعل. لم يذهب إلى سوريا وبقي في المسار الذي يتناقض مع شريعة «المستزلمين الصغار». لأنه اعتبر ان كلفة الشراكة مع المسلمين ستكون اقل من كلفة المقايضة الغبية مع بعض أطراف النزاع في الخارج.

حتى اللحظات الأخيرة من مشوار عمره على الأرض الذي قارب ال100 عام  لم يتغير البطريرك صفير ولم يبدل من قناعاته. واكب التحولات والأحداث الكبرى خلال توليه سدة البطريركية على مدى اكثر من ربع قرن (1986-2011)، واستطاع بحكمته ان يضع الركائز الكبرى لانتفاضة ثورة الأرز. فكان الملهم الأول للثورة من خلال الوجدان الوطني الذي كان يقف وراءه وساهم في تكوين حالة إستقلالية. صحيح أنه كان قليل الكلام لكن مجرد ان يعطي تصريحا او يتكلم في عظات نهار الأحد  كانت تتوضح معالم الوضع اللبناني وتعقيداته كما ركائز الخروج من المأزق التي كان يبشر بها. لذلك ليس كثيرا ان يسمى بـ»أبي الإستقلال الثاني» وأبي المصالحة التي تحققت بعد زيارة الجبل في العام 2001 واسست لتحرير لبنان من عهد الوصاية السورية. وبعد خروج الجيش السوري من لبنان سئل البطريرك صفير في إحدى المقابلات: «هل تعتقد ان السوريين رحلوا فعلاً» أجاب: «السوريون لا يزالون هنا، ألا تشعرون بذلك؟». كان ذلك في 27 حزيران 2005. هو قرأ في التاريخ البعيد فهل ثمة من يشكك في حدس البطريرك بعد مرور 15عاماً على خروج السوريين من لبنان؟

 

صمت العظماء

9 أعوام أمضاها البطريرك صفير في جناحه في بكركي صامتاً صمت العظماء وشاهداً على وطن آمن بسيادته وحريته. وبين زيارات شقيقته ميلاني صفير وطبيبه الشخصي الياس صفير الذي بدأ مسيرته مع البطريرك صفير منذ العام 1986 كان يطوي صفحات العمر التي اختصرت سيرة هذا الرجل الذي سكنه الوجدان المسيحي وفاح منه عبق الإيمان والتواضع وثورة الأجداد المسيحيين. 9 أعوام يختصرها الدكتور صفير بالوزنات تكللت بالكثير من المحطات لكن يبقى أبرزها الأسابيع الثلاثة الأخيرة من عمر البطريرك وعنها يتحدث للمرة الأولى.

«ليس سهلاً أن تتكلم عن هامة عظيمة طبعت في تاريخ الوطن والكنيسة المارونية، فكيف إذا كان المقصود البطريرك مار نصرالله بطرس صفير؟ وقبل أن أسمح لنفسي في التكلم وللمرة الأولى عن المحطات التي عايشت فيها البطريرك صفير وتحديدا في الأسابيع الثلاثة الأخيرة من حياته لا بد من توجيه تحية إلى مجلتكم «المسيرة» التي واكبت البطريرك صفير في محطات حياته طيلة سنوات توليه سدة البطريركية المارونية وكانت السباقة في التفرد بعدد خاص عنه سنويا، فكان يتصفحها بتمعن حتى أنه أصر على حمل العدد الخاص الأخير (نيسان 1919) معه إلى المستشفى وتصفّحه من «الجلدة للجلدة».

بغصة كبيرة يتكلم الدكتور صفير عن البطريرك صفير في ذكراه الأولى هو الذي شارك مع شقيقة البطريرك ميلاني وعدد قليل من المؤمنين في القداس الذي أقيم في بكركي بعد عام على وفاته وترأسه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي نظرا إلى الظروف الإستثنائية التي فرضتها جائحة كورونا. ويقول: «كان مقرراً أن يقام قداس في الذكرى السنوية الأولى على رحيل سيدنا في بكركي في 17 أيار والدعوة كانت عامة وغير رسمية. لكن الظروف التي فرضتها جائحة كورونا والتزام البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بالتدابير الوقائية وقرار التعبئة العامة، تقرر تأجيله إلى موعد يُحدّد لاحقاً. وتم الإكتفاء بالعظة التي ألقاها البطريرك الراعي في القداس الذي أقيم في كنيسة الصرح في 15 آيار. أما بالنسبة إلى القداس المقرر إقامته في 6 آب يوم عيد الرب الذي كان يعني الكثير للبطريرك صفير، في كنيسة مار روكز في ريفون حيث خدم بعد ارتسامه كاهنا، فسيبقى قائما ولا تعديل على الموعد حتى الساعة. وكشف الدكتور صفير عن البرنامج التكريمي الذي كان يحضّره بالتعاون مع المركز الكاثوليكي للإعلام حيث كان من المقرر إقامة ندوة تكريمية تتضمن عرضا لفيلم وثائقي عن سيرة البطريرك صفير من إعداد المركز الكاثوليكي بالتعاون مع تيلي لوميير. لكن جائحة كورونا ألغت المناسبة أما الذكرى فبقيت في العيون والقلوب.

وبحزن عميق تترجمه الغصة التي تقطع كلماته يتابع د. صفير: «سيدنا كان هامة كبيرة عابرة لكل الفصول والمناسبات ورسول القيم النبيلة والفكر الحر. كان سيد المنابر ولا ينطق إلا بكلمة الحق. وكم نفتقد اليوم لشخصيته الصلبة والمخملية ولمواقفه التي كانت تغيّر في مجرى الأحداث، واليوم في مجرى التاريخ. وأنا على ثقة أنه انتقل بالجسد وليس بالروح لأن روحه ترعانا وتسدد خطانا».

 

جاءت من فرنسا ليباركها

واظب الدكتور صفير على زيارة البطريرك صفير في جناحه في بكركي كل ثلثاء من كل أسبوع. يطّلع على وضعه الصحي ويتابع مع الممرض المناوب تطور حاله الصحية ونظامه الغذائي. «كنت دايما إستأذن سيدنا بس بدي إحكي عن وضعو الصحي للإعلام. وبس إسألو يجاوبني «احكي الحقيقة، عليك الأمان». ومن تلك الثقة التي أولاه إياها البطريرك صفير يروي طبيبه وصديقه محطات الأسابيع الثلاثة الأخيرة مع البطريرك.

«ثمة الكثير الكثير من الكلام. لكن المحطات التي عايشتها معه في الأسابيع الثلاثة الأخيرة من مشواره الدنيوي طبعت في داخلي، وتأكدت أن سيدنا صفير قامة عظيمة لا تتكرر. وأشكر الله أنني رافقته وتعرفت إليه». ويروي: «قبل ثلاثة أسابيع من انتقاله إلى حضن الآب السماوي. زرته كما العادة يوم الثلثاء، في جناحه في بكركي. دخلت فاستقبلني بابتسامته وروحه الجميلة. «شو جيت؟» بادرني قائلا. قلتللو «نعم سيدنا». وما هي إلا لحظات على وصولي حتى سمعنا الباب يدق. سألته إذا كان ينتظر ضيفا، فنفى. وإذ بسيدة وابنتها تدخلان الجناح. وبعد التعريف عن إسميهما تبين أن السيدة فرنسية من أصل لبناني وابنتها طبيبة أطفال ورئيسة قسم الأطفال في أحد أكبر مستشفيات مونبيلييه. انحنت السيدة أمامه وأبلغته أنها جاءت إلى لبنان خصيصاً لزيارته في بكركي والتقاط صور تذكارية معه. وعندما طلبت منه أن يمنحها البركة نزولا عند رغبتي، وقف البطريرك صفير رفع يده وقال:» بركة الثالوث الأقدس تحلّ عليكِ. باسم الآب والإبن والروح القدس». عندها أجهشت السيدة بالبكاء وقالت له: «سيدنا علّمني شو بدّي صلّي؟». هنا تفاجأتُ كثيراً، وتذكرت كلام تلامذة السيد المسيح. رفع سيدنا عينيه إلى السماء وفتح يديه وقال لها: «صلي أبانا الذي في السماوات» وتلا الصلاة كاملة. هنا توجهت إليه قائلا: «سيدنا اسمحلي قلك إنت نسمة طاهرة» فأجاب: «إنت دايماً بتقول هيك». وبعد التقاط الصور التذكارية مع البطريرك صفير غادرت السيدة وابنتها. وأمام هذا المشهد شعرت أنني في حضرة قديس جديد من لبنان».

 

الى المستشفى مع الإنجيل و«المسيرة»

طيلة الفترة التي عايش فيها البطريرك صفير وتحديدا منذ العام 1986 يجزم الدكتور صفير أنه لم يتغير: «كان رجلاً عصامياً ومتواضعاً،  ولا يتردد في قول كلمة الحق عدا عن زهده الدنيوي».

نهار الثلثاء التالي زار د. صفير البطريرك في جناحه كما العادة. كانت الساعة تقارب الثانية عشرة ظهرا وكان البطريرك قد أنهى للتو وجبة الغذاء. «كان يجلس على كرسيه واستقبلني كما العادة بوجهه البشوش وضحكته السماوية. أخبرته أنني أرغب في إجراء فحص طبي له من باب الإطمئنان إلى صحته وسألت الممرض المناوب عن نظامه الغذائي ونومه فأجابني أنه يتناول طعامه بانتظام وكذلك الدواء وكل شيء يسير على أفضل ما يرام. مع ذلك أصررت على إجراء فحص روتيني فلم يعترض لأنه كان يوليني كامل الثقة. بعد الإنتهاء من الفحص لاحظتُ شيئا غيرعادي في جهاز التنفس إضافة إلى وجود إفرازات في الرئتين ومعدل الأوكسيجين منخفض وكان يصل إلى حدود ال85، وهناك قسم من الرئة لا يعمل بشكل منتظم ولم يكن يعاني من ارتفاع في الحرارة. أما ضغط الدم فكان 12 والنبض 60 وهذا أكثر من جيد. عندما انتهيت قلت له: «سيدنا بفضل ننزل ع المستشفى تا تاخد كمية الأوكسيجين المطلوبة علما أنه كان هناك جهاز تنفس إصطناعي في الغرفة وكان الممرض المناوب يساعده على وضعه عند الضرورة. لكنني فضلت أن يخضع للعناية في المستشفى حتى لا يتكرر ما حصل معه قبل عام عندما تعرض لانتكاسة مماثلة ونجا منها بفضل العناية الإلهية. ولمزيد من الإطمئنان قلت له أنني سأرافقه طيلة فترة مكوثه في المستشفى وسأطلب من زوجتي باتي التي كانت بمثابة شقيقته ميلاني البقاء معه لأن الأخيرة كانت تلازم المنزل نتيجة تعرضها لكسر في قدمها. فبادرني قائلا: «إذا شايف إنو لازم نروح ع المستشفى منروح». وقبل أن يغادر جناحه حمل معه كتاب الإنجيل المقدس وكتاب الفرض الكنسي الذي كان يقرأ فيه كل ليلة قبل النوم وهو مطبوع باللغة الإنكليزية ومجلة «المسيرة» التي كان يتصدر غلافها.

 

بعدني بعقلي. إنه سمير جعجع

في الأيام الخمسة الأولى كان وضع البطريرك الصحي تحت المراقبة وكانت النتائج جد إيجابية بحسب الدكتور صفير. «ضغطو كان طبيعي وكذلك نبضات القلب والإلتهابات عم تخف تدريجيا». ويضيف: «قبل يومين من انتقاله إلى حضن الآب السماوي دخلت إلى غرفته وكان يجلس على السرير ويقرأ في مجلة «المسيرة». جلست إلى جانبه وبدأت اتصفح معه مواضيع الملف الذي أعده فريق التحرير عن سيدنا. وعندما وصل إلى صفحة تتضمن صورا ومنها صورة تجمعه بالدكتور سمير جعجع سألته: «عرفت مين بيكون؟». نظر في وجهي وببسمته المعهودة قال لي: «ولو؟ بعدني بعقلي. سمير جعجع».

يتابع الدكتور صفير: «بين قراءة صفحات من الإنجيل المقدس والفرض الكنسي ومجلة «المسيرة» ومتابعة القداديس والبرامج على شاشة تيلي لوميير كان يمر النهارعلى البطريرك صفير. أما وضعه الصحي فبدا أنه كان يتراجع. وبعد إخضاعه لفحوصات وصور شعاعية  تبين أن معدل الأوكسيجين منخفض جدا ونسبة ثاني أوكسيد الكربون مرتفعة مما اضطرنا إلى إخضاعه ل»كوما» إصطناعية وإدخال أنانبيب التنفس إلى الرئتين. في الموازاة كان ضغط الدم والنبض مستقرين والقلب الكبير والمحب يقاوم بقوة وإيمان. ومن تلك اللحظة بدأت جلجلة الجمعة العظيمة».

 

الوصيّة الأخيرة… لبنان

الثالثة إلا خمس دقائق من فجر الأحد 12 أيار 2019 رنّ هاتف الدكتور صفير. على الخط متحدث من مستشفى أوتيل ديو. «خير بو شي سيدنا؟. سأل. وكان الجواب الذي جمّد اللحظة «سيدنا أعطاك عمرو». يصمت الدكتور صفير وبغصة مكللة بالدموع يقول: «شو تمنيت ما إسمع هالخبر على رغم إيماني الكبير». ولا يخفي مشاعره السلبية من الشائعات التي سبقت موعد إعلان وفاة البطريرك صفير: «كل يوم كنت إسمع إشاعة عن وفاتو. وكنت إطلع وإنفي الأخبار لأنو كنت حريص على نقل حقيقة وضعو الصحي متل ما كان يوصيني.. قول الحقيقة عليك الأمان».

تلك اللحظة أعادت إلى ذاكرة الدكتور صفير مخزون الجلسات مع سيدنا في المستشفى ويرويها للمرة الأولى «لأنو كانت تعز عليه مجلة «المسيرة» وأسرة تحريرها». ويروي:» عندما كنت أزوره في غرفته في المستشفى وبعد الإطمئنان إلى وضعه الصحي كنا نجلس ونتحدث. غالبا ما سألته: شو نظرتك للبنان؟ ويجيب: «لبنان حرية وسيادة وعدالة انشالله يحافظوا عليه». وآخر وصية له كانت الحفاظ على حرية لبنان. وكان يردد على مسمعي: «الشباب غنى لا تجعلوه فقراً، والإيمان غنى لا تجعلوه كفراًوالعلم غنى لا تجعلوه فقراً». ويضيف»نفسي حزينة على رحيل هذه القامة العظيمة. لقد خسرت قامة روحية لا تعوّض وأباً وصديقاً صدوقاً رحمهالله، لكننا ربحنا قديساً في السماء كما قال عنه البابا فرنسيس في كلمة الرثاء التي تلاها الموفد الشخصي لقداسته الكاردينال ليوناردو ساندري».

«12 أيار 2019 انتقل البطريرك صفير إلى حضن الآب السماوي بالجسد. بس الروح بعدا عم ترعانا وتسدد خطانا» يقول الدكتور صفير. وفي ذكراه الأولى يروي بعضا من المزايا التي سنفتقدها.  «على الصعيد الوطني افتقد لبنان بكافة طوائفه قامة عظيمة. فالبطريرك صفير كان ضمير لبنان وبرحيله خسر الوطن والمجتمع حضوره المسؤول وتمسكه العنيد بالقضايا المصيرية. وكما كان يردد: «الحرية والعيش المشترك أساس الوطن». وفي المارونية خسرنا بطريركاً تميز بمواقفه العنيدة والثابتة والحاسمة.

قد لا يتوقف الكلام عن المزايا التي طبعها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في تاريخ الوطن والكنيسة المارونية لكن ثمة نقاطا يصر الدكتور صفير على الإضاءة عليها «ثمة ميزة كان يتمتع بها سيدنا وهي زهده في الحياة. وكانت تشكل جزءاً لا يتجزّأ من شخصيته وطباعه الراقية وأفكاره وطريقة تعامله مع الناس. فهو لم يتأثر يوماً بمديح ولم تبهره مظاهر البهرجة. كان يعيش حياة بسيطة ومتواضعة إلى درجة الزهد تماما كما الرهبان الأوائل في وادي قنوبين الذي عشقه. سيدنا كان حكيماً ومتواضعاً. لم يطلب شيئاً لنفسه لذلك وهب كل ما يملك لبكركي. حتى أنه سلم مرجعية مؤسسة البطريرك صفير إلى بكركي وسيدها والكل يعلم كيف قدّم منزله الأبوي في ريفون وحوّله إلى مؤسسة إجتماعية، هي مؤسسة البطريرك صفير التي تضم بطبقاتها الأربعة مركزاّ طبياّ بإدارة كاريتاس وصالة محاضرات ومكتبة ومتحف، كما وهب كل ما ورثه عن والده إلى بكركي. وليس مستغربا هو الذي كان يردد «تذكر يا إنسان إنك من التراب وإلى التراب تعود». وبحسب الدكتور صفير سيتم وضع جزء من مقتنيات البطريرك صفير في المتحف التابع للمؤسسة في ريفون ـ ولا تزال هذه المقتنيات والأغراض الشخصية في عهدة شقيقته ميلاني التي أكدت أنها لم تتمكن حتى اليوم من توضيبها بسبب الغصة الكبيرة التي تعيشها ـ إضافة إلى النعش الأثري الذي صممه الفنان رودي رحمه ووضع فيه مثلث الرحمات. أما القسم الآخر من هدايا ومسابح دينية وأيقونات ومقتنيات وكتب وأغراض شخصية فقد تم وضعها في متحف بكركي.

 

وطن لا يمكن أن يموت

من لحظة تسلّمه رئاسة مؤسسة البطريرك صفير عمل الدكتور صفير بمشيئة مؤسسها ووصاياه. «عندما تسلمت المؤسسة كان صندوقها فارغا. بس الله العاطي. مراحل كثيرة قطعناها وفي كل مرة كنا نسلّم أمرنا لمشيئة الله وكان يصلنا الجواب. وحتى اليوم تخطى عدد الطلاب الذي أتموا تحصيلهم العلمي من خلال المؤسسة الألف طالب وقد تخرج قسم كبير منهم على رغم الظروف المعيشية والإقتصادية الصعبة بناء على وصايا سيدنا البطريرك صفير. وللمرة الأولى أسمح لنفسي بالكشف عن رغبة البطريرك صفير بالنسبة إلى الطلاب الذين يتخرجون من خلال مساهمات المؤسسة حيث كان يقول لي: «بس يتخرجوا ويوصلوا ما بدنا منن شي إلا إنو يساعدوا طلاب آخرين غيرن». وما زلنا حتى اليوم نستقبل طلبات المساعدة بحسب الشروط وكنا نتمنى لو كانت الظروف الإقتصادية أفضل حتى نستقبل كل الطلبات.

نسأل عن المبادرات التي كان سيقوم بها الراحل الكبير فيما لو كان اليوم حاضراً بالجسد وفي ظل هذه الأزمة الإقتصادية والإجتماعية التي تعصف بالبلاد ويجيب الدكتور صفير مستشهدا بخطوة قام بها البطريرك صفير في تموز 2006 ويكشف عنها للمرة الأولى: «أنا على يقين أنه لو كان البطريرك صفير حيا كان سيقوم بمبادرة خيرية على غرار ما فعله في حرب تموز 2006. فأصداء الحرب التي اجتاحت البلاد وأدت إلى شح في الأدوية والمواد الغذائية  كانت تعصر قلبه. وتلقى في حينه صرخة استغاثة من أهالي بلدة رميش الحدودية. فاستدعاني على عجل وطلب مني تأمين أدوية لا سيما أدوية القلب والضغط والسكري من عند الوكيل وقال لي بالحرف: «بتجيب الدوا الأصلي من عند الوكيل وبتسلمن لخوري الضيعة» ودفع كلفة الكمية من جيبه الخاص.

في 23 نيسان 2015 كرمت جمعية المرسلين ورابطة قنوبين البطريرك مار نصرالله صفير في بيت عنيا. وقبل تسلمه الريشة الذهبية ألقى البطريرك صفير كلمة اختصرت عمق هذا الرجل. «من أين لي، اليوم، هذه الريشة الذهبية وأنا لم أفكر يوما بالذهب، بل أمضيت حياتي، واضعا نصب عيني، وذاكرا في صميم وجداني، عبارة بداية الصوم، ومسح جبيني بالرماد، أنني تراب، منه جبلت، واليه أعود، وقد جاهدت، كل حياتي، لاستحق لقب الحقير الذي حمله أسلافنا، السعيدو الذكر، فعاشوا بتواضع وكرامة، وكرسوا ذاتهم للخدمة، يقينا أن ملكوت الله ليس أكلا وشربا لا ذهبا ولا فضة، بل بر وسلام، صفاء ومحبة. اليوم، على مشارف الخامسة والتسعين، وقد منحني الله هذا العمر، بأفراحه وآلامه، لكي يتيح لي المزيد من الوقت لعبادته، باقامة الذبيحة الالهية، والشهادة لايماننا البطرسي، في انطاكيا وسائر المشرق، وحيثما كنا من العالم كله، نجهر بالحق، نتخذ الموقف المبدئي القويم، نعيش لاهوت كنيستنا، الواحدة الجامعة، الرسولية، خصوصا في أزمنة الخطر والصعوبة! أما وقد شئتم هذا التكريم، فأعتبره اضافة الى نعم الله علي، وأتوجه بالشكر، الى أخي صاحب الغبطة والنيافة، الراعي الامين، الذي ما برح يرعى عهد سلفه، في شركة المحبة، يسهر على كنيستنا، ويحمل همومها، في الوطن وبلدان الانتشار».

آخر كلمات البطريرك صفير يكشف عنها الدكتور الياس صفير للمرة الأولى لتكون عبرة لكل مسؤول في وطن أحبه سيدنا وحمله أيقونة في قلبه كما على الأرض كذلك في السماء. |كان يقللي: «إن وطناً أثخنت جسده الجراح، واحتُلّت أرضه، وانتُهِكَت كرامة أبنائه، وسُلِبَت إرادته، ولا يزال يحتفظ بثقته بنفسه لهو وطنٌ لا يمكن أن يموت». ويختم: «في ذكراه السنوية الأولى أفتقده كما في كل ذكرى سنوية وكل محطة مصيرية. فهو لم يغب ولن يغيب يوما سيبقى حاضرا في الروح وأصلي للآب بأن أشهد كما كل اللبنانيين والعالم بأن ينعم عليه ويرفعه إلى مرتبة القديسين. وعهدي إلى مرشدي وملهمي وصديقي الأب الروحي البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي غاب عنا بالجسد أن أبقى وفياً لذكراه الخالدة وأميناً على المؤسسة التي كرّمني وجعلني مسؤولاً عنها في حضوره واليوم في غيابه. كما توجه د. صفير بكلمة شكر ودعاء للكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي احتضن المؤسسة ويرعاها بإرشاداته وصلواته .

ويبقى الكثير من الكلام عن بطريرك اليوم وقديس من لبنان ذات يوم. إشهد يا تاريخ.

 

صلاة البطريرك

الصلاة التي كتبها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير إلى السيدة العذراء تم توزيعها على الحشود التي شاركت في يوم تشييعه. وتضمنت البطاقة التي طُبِعت عليها الصلاة صورة السيدة العذراء وعلى الجهة الأخرى صورة البطريرك صفير مع تاريخ ميلاده وانتقاله إلى حضن الآب السماوي.

«لنلتفت إلى العذراء مريم سيدة لبنان، لنسألها أن تبسُط ذراعيها على هذا الوطن وأبنائه، وترعاهم بعين العناية والعطف، وتكون حاميتهم وإلى جانبهم، في ما يتهدَّدهم من ضيق ومخاطر. فهي الشفيعة وأم السيد المسيح، وأمُّنا التي تعوّد آباؤنا وأجدادنا أن يلجأوا إليها إبَّان المحن، وما خيَّبت يوماً رجاءهم تحقيقاً لما قيلَ فيها:» من كان للعذراء عبداً، فلن يدركه الهلاك أبداً». لنسأل الله بشفاعتها أو يؤتينا أن نجدّد إيماننا بقيامة السيد المسيح وبالتالي بقيامتنا معه بالمجد».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل