
كتب النائب نديم الجميل في “المسيرة” – العدد 1706
لا يمكنك أن تتحدّث عن غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، إلا وتشعر بالعزّة والكرامة والعنفوان.
هزَّ لبنان «بعصاه» وصلابة مواقفه، لا بجيشه ولا بمدافعه ولا بصواريخه. كانت كلماته مُلهَمة من تاريخ لبنان، من تاريخ البطاركة القديسين والكبار الذين صنعوا مجد لبنان.
لم يُراوِغ و لم يفاضِل. قال كلمته، ومشى.
عرفناه الرجل المُستمع، الهادىء، المفكّر، المتألم مع آلام الناس والشاعر بأوجاع الوطن، إذ كان يُحلّلُ بعقله النيَّر ونظرته الثاقبة للأوضاع والأحداث، ثم يتخذ القرار الجريء الذي لم يجرؤ عليه الآخرون.
كم نحتاج اليوم الى الرجل الذي اختار الحرية، عندما خُيّر بين الحرية و التعايش.
وكم نحتاج اليوم الى الرجل القائد والراعي المسؤول الذي يقود شعبه نحو خياراته التاريخية والوجدانيه الصحيحة.
رجل يقود ولا يتبع.
فزمن البطريرك صفير لم يكن سهلاً ولكن وضوح رؤيته وصلابةَ مواقفه كانت سيمة ذاك الزمن العظيم.
كان يعرف أن يقول علناً لا للسوري عندما كان محتلاً لأرضنا ووطننا، رغم انبطاح وزحف العديد من السياسيين من رجالِ ذاك الزمن الرديء.
كان يعرف في أي مكان وزمان يتكلم، كالنداء الشهير الذي اطلق شرارة ثورة الاستقلال.
همُّه الأوحد، لبنان أولاً،
لبنان السيد الحرّ المستقل، لبنان خالٍ من أي إحتلال أجنبي، لبنان وطن العيش المشترك والتفاعُل بين الحضارات، لبنان الوطن الرسالة، لبنان الإنفتاح و التنوُّع، لبنان الذي يقرر مصيره بنفسه، لبنان الأرض والسماء والإنسان المُميّز، لبنان التاريخ والكرامة والبطولة والشهادة والقداسة وخاصة لبنان الحرية.
هكذا كان يرى لبنان المستقبل.
وعندما داهمَ الخطر الوطن الجريح والمُمَزّق، فتح أبواب الصرح للمخلصين، وأطلق نداءَه الشهير»نداء المطارنة» عام ألفين، محّذراً من ضياع الوطن ومن هجرة أبنائه.
أطلقَ صرخة الحق، فلاقى صداها في كل أرجاء لبنان ، وخاصة عند المخلصين الذين تجمّعوا في قرنة شهوان بعد نيل البركة الرسولية من سيد بكركي، وبدأت الرحلة الطويلة والصعبة للمطالبة بخروج جيش الإحتلال السوري من لبنان.
كلماته ومواقفه الوطنية الصلبة، جعلت منه، كسلفه البطريرك الحويّك، ناطقاً بـإسم المسيحيين والمسلمين على حدٍ سواء، لأنه كان يعلم أن العديدَ من الشخصيات الإسلامية الحرّة كانت مُهددَة من جيش الإحتلال وعُملائه في الداخل.
مواقفه الصلبة، كانت دائماً كمن يحفر بالصخر لتبقى محفورة للتاريخ.
لذا، لُقِّب عن حق: بطريرك الإستقلال الثاني.
لقد كان قيمة وطنية خلال حياته، ونفتقد هذه القامة بعد غيابه.
لن ننساك يا بطريرك لبنان وسائر المشرق.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
