الهوية الجديدة للسلطة السياسية

لا يختلف اثنان حول الدرك الذي وصلت إليه حكومة الرئيس حسان دياب. فهي أعطت لنفسها فرصة مئة يوم لتظهر بعدها بموقع مبدل الأحوال. إلا أن الواقع كان عكس المرتجى. فبعد مئة يوم رضخت الحكومة للضغط السياسي الذي مورس عليها كي لا تجري الاصلاحات المعروفة. بالتالي ازدادت الحالة سوءًا؛ ولم يتبدل أي شيء. فما هي السبل المتاحة لاستعادة زمام المبادرة الحكومية؟

وصل الوضع الحكومي حد اللاعودة إلى لحظة الانطلاقة الحكومية. لقد أعطيت زخماً ودفعاً لم يؤمن لغيرها من الحكومات؛ بغض النظر عن أن هويتها السياسية معروفة. لكن دياب لم يستطع أن يتفلت من موجهيه. فهو بقي تحت السيطرة المباشرة لحزب الله، ولم يتمكن من معالجة أي ملف تكنوقراطيا بل أتت المعالجات كلها سياسية. وهذا ما ثبت فشل هذه الحكومة.

واليوم بعدما فقدت الثقتين العربية والدولية، باتت الحكومة أو بالحري السلطة السياسية من ورائها، بأمس الحاجة لاستعادة هذه الثقة، على الأقل لكسب معركة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وفي حال تحقق هذا الخرق ستتحرر الأموال الأوروبية المتمثلة بمؤتمر سيدر، حتى لو تم تقليصها أو فرضت قيود مشددة أكثر على إعطائها. لتأتي بعد صندوق النقد الدولي وسيدر، الأموال العربية التي قد تعود من بوابة تحسين علاقات لبنان العربية. إلا أن ذلك كله يأتي ضمن مسارين متناقضين:

– المسار الأول: يكمن في تراجع تكتي تمارسه السلطة السياسية فتعيد ترتيب علاقاتها العربية من بوابة تغيير لسياسة حزب الله في تعاطيه مع الدول العربية. قد يكون هنا الانسحاب العلني من معارك المنطقة سبيلا لإظهار حسن النية هذه، فتتحسن العلاقات العربية مع لبنان، لتكون هذه السلطة قد بدأت طريقها مع صندوق النقد الدولي بموازاة تلميع صورتها العربية والدولية.

وهذا المسار قد يستتبع تعديلا حكومياً لتظهر فيه هذه السلطة عملية استيعابية لحراك الشارع على غرار المئة يوم التي طلبها دياب. قد يكون أي تعديل حكومي نحو المزيد من تكنوقراطية الحكومة لتستطيع ممارسة الحوكمة الرشيدة التي يطالب بها شارع ثورة 17 تشرين. أو قد يجنح دياب في إدخال نكهة عسكرية لعله يكسب ثقة دولية قد تنجم عن ثقة المجتمع الدولي بثقته في إدارة المؤسسة العسكرية، ولما قد يعكسه هذا التبديل من راحة في الشارعين المحلي والدولي.

– المسار الثاني، وهو يناقض الأول، إذ تتابع السلطة السياسية مواجهتها وفق القواعد التي حددها لها الأمين العام لحزب الله، فتستدير كلياً نحو الشرق؛ وبالتالي تتبدل وجهة لبنان العالمية. وبذلك يحكم الحزب قبضته الحديدية أكثر فأكثر على مواضع السلطة السياسية بالمطلق فيصبح لبنان كليا في المحور الايراني، حيث يحتفظ الحزب بدوره الاقليمي، ويدفع السلطة السياسية المتمثلة ببقايا الحكومة التكنوقراطية الفاعلة تقنيا، نحو استدارة كلية. فيُقتَلع لبنان من محيطه الحيوي ويتحمل أوزار ما ستتحمله إيران وسوريا الأسد.

نحن إذاً أمام خيارين لا ثالث لهما. ولن تستطيع بعد اليوم السلطة إجراء أي مراوغة سياسية على المجتمع الدولي الذي جعل من لبنان قضيـته. وذلك ليستطيع الولوج منه إلى المنطقة بأكملها من بوابة الحرية الكيانية الموجودة فيه، على قاعدة نمذجة دول المحيط كله بلبنان، لا سيما تلك التي تقع تحت التأثير الجيوبوليتيكي اللبناني المباشر.

من هنا، حكومة دياب أمام هذين المسارين إما أن تختار الجنة وإما أن تختار النار. لا تستطيع الوقوف في الوسط بعد اليوم. لكن الحزب مزمع على إرضاخ السلطة السياسية لخياراته الايديولوجية. وهي تتعارض مع أكثر من ثلثي خيارات اللبنانيين. والكلمة الفصل اليوم ستكون للحرية الكيانية التي وسمت الهوية اللبنانية. فهل ستدفع هذه السلطة نحو هوية جديدة لا حرية كيانية فيها؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل