وكان الصخرة…


كتب هنري صفير في “المسيرة” – العدد 1706

منذ سنةٍ غاب البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير.

وبعد غيابِه استشرست الخلافات السياسية وطفح الكيل، فانتفضَ الشعب واستقالت الحكومة وبعد طول هرجٍ ومرجٍ تألفت حكومة جديدة لا تشبه إلاّ جزءًا من سابِقاتِها، وذاب الثلج وبان الوباء النقدي والاقتصادي وانهالَ علينا وباء الكورونا.

هل ضاعَ كلُّ شيء؟

منذ سنةٍ غابَ كبيرٌ لم يطلب شيئاً لنفسه بل نال كل شيء.

لم يسعَ لانتخابه بطريركاً بل حاكت الإرادة الإلهية ثوبه الارجواني فاعتمرَ التاج وارتاحت يده على الصولجان.

لم يطمح إلى الكثير إنما الأماني التي طمح إليها كانت سامياتٍ.

وفي ذكرى غيابه نتوقف عند ثلاث:

تجنَّبَ المواقف الحرجة

عملَ بجهدٍ من أجل وحدة الموارنة

كان صخرةً لضمانة الكيان.

•••

تجنّب المواقف الحرجة: الكاردينال والعرش

منذ البدء وإدارة الفاتيكان تُعطي الأولوية للكاردينال على البطريرك، بينما كان كل بطريرك يعتبر نفسه رئيس كنيسة فيما يعتبر أن الكاردينال ليس إلاّ معاوناً لقداسة البابا.

وهذا ما ولَّدَ حرجاً كبيراً بعض المرّات ومؤخراً عندما زار قداسة البابا بندكتوس السادس عشر لبنان حيّا في خطابه الكاردينال صفير أولاً وبعده ذكرَ البطريرك الراعي (الذي لم يكن كاردينالاً بعد).

وتعود بنا الذاكرة إلى إحراجٍ كبير حصل بداية الاستقلال عندما زار الكاردينال تيسران لبنان في عهد البطريرك عريضة.

فور وصوله إلى بكركي استقبله غبطة البطريرك وذهبا معاً الى الكنيسة ليؤديا صلاة الشكر وبعدها توجّها إلى قاعة الاستقبال.

دخل الكاردينال تيسران وهمَّ إلى الجلوس على عرش انطاكية، فما كان من البطريرك عريضة إلاّ أن خاطبه بنبرته المعتادة: «لا يا صاحب النيافة أنا وحدي أجلس على عرش انطاكية».

فجلس الكاردينال تيسران عن يمينه.

إثر هذه الحادثة اشتدَّ اغتياظ الكاردينال تيسران، وفور عودته إلى الفاتيكان لخّصَ زيارته لبنان بالقول المأثور: «على الفاتيكان أن يشدَّ الحزم على الموارنة لأنَّ باستقلاليتهم الطقسية يشكلون تجاه روما قرطاجة الشرق الجديدة».

أمّا في عهد البطريرك صفير وقبل أن يتلقى الرتبة الكاردينالية أشرفَ نيافة الكاردينال أوكونور على زيارة لبنان. والكاردينال أوكونور كان يرأس مجمع أساقفة أميركا الذي كان يسدّد جزءاً وفيراً من ميزانية الفاتيكان.

رغبةً من البطريرك صفير أن يتجنّب الحرج، طلب من معاونيه إزاحة عرش انطاكية من قاعة الاستقبال في بكركي، وهذا ما أزعجني كثيراً.

وبعد ذلك ذهبت إلى أروقة بكركي حيث تُعرَضُ صور البطاركة الموارنة السابقين وقد رُسِم جميعهم من غير عرش انطاكية.

لذلك قصدتُ فناناً روسياً مشهوراً جداً يدعى فاسيلي بينتاسينكو(Vassili Pentacenko) ودعوته إلى لبنان ليرسمَ غبطة البطريرك صفير وعلى عرش انطاكية بالذات مشدّداً على الفنان أن يرسم الأحرف السريانية التي نُقِشَت على العرش وبخاصةٍ لأنَّ آنذاك كل الرسوم التي قُدِمَت لم تكن تليق به ولم تكن تشبهه.

فرسمَ غبطته بلوحةٍ وُصِفت من الاختصاصيين بأنها تحفة فنية.

وذات يوم كنت أتمشى مع غبطته وهو ينظر إلى اللوحة الرائعة قال لي: إنَّ اللوحة ناجحة.

أجبته: إنًّ في اللوحة نجمان.

فردَّ سائلاً: نجمان؟ مَن؟ وتذكّر اني انزعجتُ من إزاحة العرش.

قلتُ: غبطتكم والعرش!

فنظرَ إليَّ وقال: كم أنت حقود يا هنري.

•••

وحدة الموارنة

منذ البطريرك يوحنا مارون ما زالت الطائفة السريانية المارونية تؤمنُ مع قداسة البابا إيمان بطرس وما فرّق بينهما يوماً الإيمان إنما كانت إدارة الفاتيكان تحصرُ إمكانية انتشار تعاليم السيد المسيح بالحضارة اللاتينية، ولا ترى لغة ناقلة للفكر المسيحي سوى اللاتينية. إنما ما كان يزعج إدارة الفاتيكان هو استقلالية الطقس الماروني، لأنَّ الموارنة كانوا يتمسكون باللغة السريانية التي هي الأقرب للغة الآرامية التي تكلم بها السيد المسيح وما اعتمدوا جزئياً اللغة العربية في الطقوس إلاّ بعد عام 1050م. بعد ترجمة كتاب الهدى إلى اللغة العربية.

أمّا في عهد البطريرك صفير الذي ثبَّـتَ وحدَّثَ الطقس الماروني، قد زاد إزعاج البعض في إدارة الفاتيكان وكان منهم مَن يقول – تبعاً لِما قاله سابقاً الكاردينال تيسران –  لِمَ لا نعتبر بطريرك بكركي هو بطريرك إنطاكية وسائر المشرق فقط فهو ليس بطريرك الموارنة في الغرب، ولِمَ إذاً لا نعيّن بطريركاً مارونياً في الغرب؟ بنيَّة إضعاف استقلالية بكركي الطقسية.

علِمَ بذلك غبطة البطريرك صفير وهو الحريص على وحدة الموارنة في العالم وقام سِجالٌ حادّ بينه وبين إدارة الفاتيكان بهذا الشأن وإذ به ينتقل يجوب العالم فيزوره الموارنة أجمعين من الشرق والغرب ويؤيّدونه ويمنحونه شرعية بطريركية الموارنة في العالم. والحفاوة التي كان يلقاها البطريرك من الموارنة في العالم جعلت الإدارة الفاتيكانية تُسكِتُ رغبتها، وعلموا أنَّ الموارنة موحّدون تحت عباءة البطريرك.

وردة فعل البطريرك بهذا الشأن كانت عنيفة لأنها كادت تمسّ بوحدة الموارنة.

•••

صخرةٌ لضمانة الكيان

سألني مسؤولٌ كبير في دولةٍ صديقة أزعجته صلابة رأي البطريرك: هل العلاقة مع بكركي أمرٌ مهّم في سياسة المشرق؟

فقلت له: لقد علّمتنا الأيام أنَّ التاريخ هو المعلّم الأكبر في السياسة، ومنه نلاحظ أنَّ بعد خلافة الراشديّين أتى الأمويّون ورحلوا، وبعدهم أتى العباسيّون ورحلوا، ومن ثمَّ المماليك ورحلوا، وحكمَ العثمانيون قروناً ورحلوا،

ولم تثبت مؤسسة في كل الشرق ثلاثة عشر قرناً إلاّ بكركي…

فهي ضمانة للكيان،

وكان… الصخرة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل