مجد لبنان «حقًا» أعطي له عن حق


كتب سمير عبدالملك في “المسيرة” – العدد1706

أداوم صباح كل يوم على حضور القداس الذي يقيمه البابا فرنسيس في كابلاّ القديسة مارتا في روما، والذي يُنقل إستثنائيا إلى المؤمنين منذ بدء أزمة وباء الكورونا منتظرًا الموعظة اليومية لهذا البابا الكبير لما تحمله من عِبر وتفسيرات وتوجيهات للقيم الإنجيلية وكيفية العيش معًا، موحّدين في عالم متنوّع ومتعدد، وعن كيفية مواجهة وباء الكورونا الذي يهدد البشرية جمعاء بالإنعزال والتقوقع والتطرف بدلاً من التلاقي والإلفة والوحدة لمواجهة الأخطار التي تتهدد الجميع من دون إستثناء. وهذا الاسلوب السهل والواضح والمباشر ذكَّرني بأسلوب البطريرك صفير وطريقة عيشه ببساطة وتواضع وصفاء…

وكنت لا شعوريًا أتذكر تاريخ كنائسنا في الشرق وما عانته وما تزال من إضطهاد وخوف وقساوة حياة وهجرة، وأتذكر بطاركة ورجال دين، طبعوا حياتنا الوطنية والإنسانية في سلوكهم وفي مواقفهم الجامعة، ويأتي في مقدمهم البطريرك صفير الذي جسَّد طيلة أيام حياته المديدة تعاليم سيدنا المسيح.

كم نحن بحاجة في أيامنا الحاضرة، حيث نُمتَحن بإيماننا وبقيمنا وبمبادئنا، إلى إستحضار مسيرة الكنيسة وما عانته من ظلم وتنكيل وعذاب وتهجير… للتزوّد بالإيمان والرجاء والقوة لمواجهة التحديات التي نعيشها بصفاء وطمأنينة وجرأة في إبداء الرأي وفي اتخاذ المواقف والدفاع عما نراه محقاً،  فنكون خير من يعيش «مسيحيته» فعلاً لا قولاً.

لقد أعطانا البطريرك صفير المثال الصالح طيلة حبريته المديدة، وهو كان قد إنتُخب والحرب الأهلية في أشدها، وقاد الكنيسة المارونية بصلابته المعروفة ورؤيته الثاقبة في مراحل خطيرة من حياتنا الوطنية، وأجرى مراجعة شاملة لدورها ورسالتها في شؤون الدين والدنيا عبر المجمع البطريركي الماروني الذي انعقد عام ٢٠٠٤ (بعد ٢٧٠ عامًا عن المجمع الأول) واستمر ثلاثة أعوام، وأثمر نصوصًا مرجعية، تشكل خارطة طريق للكنيسة في النطاق البطريركي وبلدان الإنتشار، ومنها النص التاسع عشر «الكنيسة والسياسة»، وهو المحاولة الأولى في تاريخ الكنيسة المارونية لتحديد موقف رسمي من الشأن السياسي متشبثٍ بالعيش المشترك والسيادة الوطنية وداعٍ الى خيار الدولة المدنية.

لقد أعطى المجمع البطريركي الماروني بُعداً إستثنائياً لمفهوم العيش المشترك معتبراً أنه «يتخطى مستوى التساكن أو التعايش بين المجموعات المتعددة» ليشكل «نمط حياة يؤمِّن للإنسان فرصة التواصل والتفاعل مع الآخر… فلا يسعى الى إلغائه أو إستتباعه، ولا يفرض عليه إنصهاراً يلغي خصوصيته أو توحّداً يختزل شخصيته ببعد واحد من أبعادها. إنه نمط حياة يقوم على إحترام الحياة في تنوّعها وغناها، من دون إخضاعها الى تراتبية تفقدها غناها، أكانت هذه التراتبية ثقافية، أو إجتماعية أو عددية، فتفرز الناس أقليات وأكثريات، وترسم فيما بينهم خطوط التماس سرعان ما تؤدي الى التصارع والتصادم».

لقد عاش البطريرك صفير مسيحيته بصلابة وبساطة وتواضع، وقابل ما تعرَّض له من تعدٍّ وعنف من قبل أبنائه بابتسامته المعهودة، وكأنه يردد مع السيد المسيح «أغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون».

وكان البطريرك صفير الراعي الصالح الذي يعرف أبناءه وأبناؤه يعرفونه، يستمع إليهم، يُصحِّح مسارهم، يعطيهم الثقة لتجاوز المخاطر التي تتهددهم…

لقد كان البطريرك صفير نموذجًا في العيش المسيحي الصحيح، فشهد للمسيح بالممارسة اليومية البسيطة والمتواضعة والمتقشفة، فلم يضعف أمام السلطة وكأنه كان يردد «مملكتي ليست في هذا العالم»، ولم يخضع لسلطان المال، لإيمانه «باستحالة دخول الغني ملكوت الله، إستحالة دخول الجمل خُرم الإبرة»، ولم يساوم على مبادئه وقناعاته مهما كان الثمن باهظًا، بل «ليكن كلامُكم: نَعَمْ نَعَمْ، لا لا ، وما زاد على ذلك فهو من الشرير»…

وعملًا بقول الرب يسوع « أنتم نور العالم، ولا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة فيضيء لكل مَنْ في البيت»، عُرف البطريرك صفير بانفتاحه وعمله لتحقيق الوحدة الوطنية كمقدمة لخلاص لبنان، وعمل لمصلحة جميع اللبنانيين من دون تفرقة أو تمييز،  حتى لُقِّب عن جدارة «بطريرك لبنان، كل لبنان».

وعُرف البطريرك صفير بأسلوبه السهل والممتنع الذي كان يختصر صفحات من الشرح في الإيمان والوطن والمواقف السياسية. واشتهر بأقوال كثيرة منها، «أنا تراب، منه جُبلت وإليه أعود، وقد جاهدت كل حياتي لأستحق لقب الحقير الذي حمله أسلافنا الذين عاشوا بتواضع وكرامة وكرّسوا ذاتهم للخدمة». «وأن محبة الوطن تعني القبول بكل ما هو إرث جَماعي، كما يقبل الإنسان والديْه ويحترمهما ولو اعترف بما لديهما من نواقص وأخطاء…». وقال عن مواصفات رئيس الجمهورية «يجب أن لا يخجل مستقبله من ماضيه» وأن «الطرف الذي يملك السلاح يستقوي على الآخرين ونرفض وجود جيشيْن في لبنان».

واليوم، لمناسبة السنة الأولى على غياب البطريرك صفير، يعيش العالم بأسره تداعيات وباء الكورونا الذي يضرب كافة الدول العظمى الصناعية والعسكرية، ويهدد بتغيير مفاهيمها ونمط عيشها ومكامن قوتها؛ ونحن في لبنان، نعيش بالإضافة إلى ذلك، وباء إفلاس مجتمعنا وتعرّضه الى الإفقار والجوع والهجرة، بسبب السلاح غير الشرعي، منذ إتفاق الطائف وحتى يومنا، الذي أرسى منظومة الفساد الحاكمة التي أهدرت مقوّمات قيامة الوطن، وضربت سلَّم قيمه، وبدَّدت مدخرات الشعب اللبناني المقيم والمنتشر…

وحسنا قررت إدارة مجلة «المسيرة» إصدار عدد خاص عن البطريرك صفير في هذه الظروف المأساوية بالذات، لأننا بحاجة إلى إحياء ذاكرتنا التاريخية خصوصًا ذاكرة أجيالنا الشابة من خلال الإضاءة على مسيرة رجال كبار عملوا على ترسيخ الكيان والدفاع عنه واعتباره وطن الرسالة، والبطريرك صفير يأتي في طليعتهم.

وإن أبناء ثورة ١٧ تشرين المباركة من كافة المناطق والإنتماءات، خصوصا من المدينة التي رُوّج عنها زورًا إنها مرتع التطرف والإرهاب، وأثبتت أنها مدينة المحبة والوحدة والتسامح ولُقِّبت عن حق «عروس الثورة»؛ إن شابات وشباب لبنان الذين قرَّروا أن يمسكوا مصيرهم بأيديهم وأن يعملوا على إقامة دولة مدنية حيث العدالة والكفاءة والمساواة، سيُكتب لهم النجاح مهما بلغت التضحيات، لأنه «يُشرق نورٌ من الظلمة».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل