البطريرك صفير… وفرة من ما ندر

كتب وائل خير في “المسيرة” – العدد 1706

 

ما من اسئلة يطرحها الانسان اكثر عمقا من تلك التي تتصل بوجوده: منشأه ومآله، دوافعه وغاياته. من كان وراءه؟ أهي الصدفة أم هي خطة وراءها مخطط؟  تجد في جميع الكلاسيكيات محاولات إجابة على ما هو اساس كل تساؤل. مع ان جميع الحضارات لامست هذا الموضوع، يبقى سرد سفر التكوين له، الأكثر شيوعا والأوفى سياقا. يذكر السفر مراحل الخلق متدرجا نحو الأعلى فيبلغ ذروته في خلق الرب آدم في اليوم السادس. مع أن السفر يذكر المراحل المادية للوجود، لكنه، بصورة غير مباشرة يذكر كيف ابتدأت الحضارة الانسانية وان لم يسمّها. أين أتى ذكر الحضارة في سفر التكوين؟

تراها في تكوين 2: 18. «قال الرب الإله ليس حسنا ان يكون آدم وحده».

إنها المرة الأولى التي يأتي ذكر نقيض «الحسن». كل ما صنعه الخالق كان يصفه بانه «حسن» و»حسن جدا.»  لكنه قال «ليس حسنا» ان يكون آدم وحده، فكان ان صنع  من آدم «معينا نظيره». هذا الآخر الذي اسند الخالق اليه دور الاعانة، المادية والمعنوية، ووضعه في منزلة اللقاء والتواصل والمناظرة بمنزلة متساوية، هو أساس الحضارة البشرية التي انفرد الانسان بها، وميزته عن سائر الموجودات.

مقدمة أجدها ضرورية لبسط معرفتي بالبطريرك  نصرالله بطرس صفير.

مما أثرى وجودي، شأن كل انسان، تقاطع طرق حياتي مع شخصيات تركت فيّ أثرا.  من بين هؤلاء من في الظاهر كان الأقل وعدا. لم تكن قامته مديدة بل كان الى القصر أدنى. لا يمشي منتصبا متشاوفا. لا صوت راعد له بل الى التمتمة أقرب، كما انه كان ينتقي إصطلاحات المواربة بدل المواجهة.

لكن حذار ان تغرّك المظاهر. أنت في حضرة من تولّى السدّة في أسوأ الأوضاع وواجه تحديات مصيرية للمسيحيين بشجاعة، أصفها من دون غلوّ، بأسطورية.

رأيت ان أتناول من دون تفصيل، ثلاثة من جوانب شخصية ذاك البطريرك التاريخي. سمات شخصيته، سياسته وانتماؤه اللاهوتي.

لا أخال أحدا يعترض على وصف حياة البطريرك صفير بأنها امتازت بالتقشّف. في عصر لامحل فيه للأساطير إذ بات كل شيء مكشوفا، لا يختلف إثنان على الحياة البسيطة التي اختارها البطريرك لنفسه. لم يشدّه شيء الى بهرجة الحياة التي يصفها سفر الجامعة بأنها «باطل الأباطيل، كل شىء باطل.» في نومه وصحوه، ملبسه ومأكله، حطه وترحاله، لا تجد سرفا. لم يتهمه أحد بأنه سخّر الكنيسة لمنفعة شخصه أو امتدادات شخصه. عل العكس، اقنع عائلته بتحويل وقفها لملكية الكنيسة المارونية.

السياسة التي اقتنع البطريرك صفير بها وروّج لها، كانت رؤيا للبنان تخترق الظاهر الى الجوهر. لا يرى بأسا في اي صدفة خارجية ان حافظت على اللؤلؤة في صلبها. ما زال اللبنانيون حتى اليوم وبعد عقود، يرددون قوله: «نحن مع العيش المشترك الذي يقوم على الحرية. فإن خيّرنا بين العيش المشترك والحرية، لأخترنا الحرية.» كان لتصريحه هذا صدى تردد في أرجاء لبنان بأسره. كان أول المستفسرين القاصد الرسولي صبيحة اليوم التالي، تقاطر بعده سياسيو لبنان، المسلمون خاصة ، مستوضحين.

من سماته أيضا دفاعه عن حقوق الإنسان. ما كانت بكركي يوما محجا لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من مختلف الطوائف بمن فيهم الأصوليّن الإسلاميّن، كفترة البطريرك صفير. كان الصرح بشخص سيده، ملاذا لكل من انتهكت حقوقه من السلطات الرسمية، السورية واللبنانية، وأيضا من قبل سلطات الأمر الواقع. كان البطريرك يستقبل الوفود بشخصه الوديع ويخاطبهم من دون صخب. كانت العادة عند سواه، ان يقتصر المشهد على التهديد والصوت الهادر. كان الأمر على خلاف ذلك مع البطريرك صفير. كان صوته خافتا واستقباله يكاد يكون فاترا. لكن ردود فعله كانت حاسمة الدلالة. أبرزها في ميلاد 1996 عندما قامت السلطات اللبنانية – السورية بحملة إعتقالات واسعة كان ضحيتها ما يفوق 1200 شاب وشابة ما حدا بالبطريرك ان يعلن ان المقام البطريركي سيمتنع عن تلقي التهاني بالأعياد. ذروة البطولة تعدت الإعلان الى التنفيذ. الرئيس الهراوي تحدى القرار وأبلغ بكركي أنه سيتوجه الى المقر يوم الميلاد. ما كان للبطريرك ان يمنع أحدا من دخول الكنيسة، فكان ان استقبل الرئيس على باب الصرح المطران رولان أبو جوده والمونسنيور ميشال عويط ورافقاه الى الكنيسة. وبعد قداس الميلاد تلقى البطريرك تهنئة الرئيس في الكنيسة وتوجه منفردا بصمت نحو جناحه فيما رافق المطران أبو جودة والمونسنيور عويط الرئيس المحبط والغاضب الى باب بكركي.

على ان ذروة الشجاعة، ولي أن أقول الأسطورية، كانت في الإعتداء على البطريرك صفير في تشرين الثاني 1989 من قبل شبان وشابات جندتهم المخابرات ليقتحموا المقر البطريركي في الليل ويهينون البطريرك. كان ان توجه ما يزيد على الخمسين شخصا بشعارات  مؤيدة للعماد عون وشتائم للبطريرك. لك ان تتصور شيخا تقدم به السن وحيدا في صرح واسع لا حراسة له ولا مرافقين  يواجه سيلا متدفقا يحطم الأثاث في مسيرته نحوه. كان من الممكن ان يفر. كان له، ان تعذر الفرار، ان يحاول إسترضاء الرعاع بإنكار ما يُنسب إليه أو ان يدعيهم الى حوار هادئ. بدلا من هذا تثبت التسجيلات موقفا بطوليا أسطوريا. شيخ يواجه قاعة مليئة بمن يريدون به شرا، يدقعونه  ثم يحملونه ويلقونه موجهين له الشتائم. لكنه يصرخ بهم «لا يملي علينا أحد مواقفه» كانت تلك ذروة الشجاعة لا تصدر إلا عن متمسك بقناعاته لا يخشى ملاقاة ربه ويردد ما قاله بولس «الحياة عندي هي المسيح، والموت ربح.» (في: 1 :21)

لم تًتح لي فرصة حوار لاهوتي مباشر مع البطريرك صفير. مصدري الوحيد لصياغة رؤياه اللاهوتية هي عظاته التي جمعت في عدة مجلدات تحت عنوان «عظة الأحد  خواطر روحية ومواقف وطنية.»

من مظاهر عالمنا، وهو عالم البطريرك صفير، إزالة الحدود، وتداخل الثقافات، ونسبيّة القيم بدل إطلاقها. جرف هذا السيل، بين ما جرف، اللاهوت المسيحي خاصة في الغرب. قلة من رجال الدين بقيت على ولائها للقيم التقليدية وان آثروا الصمت ولاذوا به. إن شئنا الإختصار لجعلنا الحد الفاصل بين المدرستين، المدرسة التقليدية والمدرسة الحديثة، هي مواضيع القداس الجديد، الحوار بين الأديان، وأيضا المسكونية. القداس الجديد لم يأخذ بعدا كبيرا في الشرق على خلاف المسكونية والحوار بين الأديان اللذين وجدا تأييدا كبيرا في صفوف العدد الأوسع من رجال الدين واللاهوتيين لاستجابتها  للإشمئزاز من تشظي كنائس الشرق اذ وجدت في المسكونية علاجا لها. أما «الحوار بين الأديان» فعالج  الشعور بالدونية تجاه الإسلام إذ ظن بالحوار أداة عتق النصراني من ذلّ الذمية الى رحابة المساواة.

لم يكن البطريرك صفير ممن انساقوا وراء هذين الخيارين. عظاته كانت تقليدية لم يستعن مرة بآيات قرآنية، أو تحدث عما في الأديان المختلفة من متّحدات. كما ان إستشهاداته بآباء الكنيسة كانت تقليديّة كثرت فيها الإشادة  بالقديس أغوسطينوس والإستشهاد بأقواله وهو ما يتحاشاه لاهوتيو عالمنا الحديث. لم تتجلَّ هذه الملامح في شخصية البطريرك اللاهوتية بمكان مثل بروزها في عظته في الجزائر في 2 نيسان 1987 والتي رأى ان يكون عنوانها «التواضع، الشجاعة، الجهر بالحقيقة»، التي فيها إختصار سمات شخصه وإيمانه وخياراته اللاهوتية. في إطار تلك العظة في بلد يدين بأكثريته الساحقة بالإسلام وفي ظل نظام سلطوي،  كرر البطريرك  فيها الإشارة الى «القديس العظيم أوغسطينوس» والى ازدهار الكنيسة في أفريقيا  التي كان ينتشر فيها «ما يقارب الستمائة مطرانية». كان لغير صفير ان يستفيد من ظرف وجوده في دولة مسلمة فيشيد بالإسلام ويمتدح تسامحه وربما ذكر انه هو «تسعين في المئة مسلم.» كم الهوة واسعة بين البطريرك صفير وآباء معاصرين أزالوا كل الفروقات، من جانب واحد، بين الدين الذي يمثلون، ودين الأكثرية وأسرفوا في التزلّف فزعزعوا إيمان اخوتهم، فيصدق بهم قول المسيح  بالذين يزعزعون إيمان اخوتهم : «فخير لهم ان يضعوا حجر الرحى على أعناقهم ويلقون في اليم.» (لو 17 : 2 )

نفتقد في ذكرى رقاد البطريرك مار نصرالله بطرس صفير قيمًا نادرة لم يحل تواضعه دون فيض سيرته بها.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل