“قيصر” يخرج المعتقلين من السجون السورية؟

مأساة بلغت من العمر أكثر من أربعة عقود. تنتهي الحروب بتوقيع اتفاقيات سلام أو هدنة بين طرفي النزاع. لكن الحرب اللبنانية انتهت، وما لم يتم مع السوريين هو: لا الهدنة ولا السلام. ومرد ذلك يعود لأن فريقاً من اللبنانيين أنفسهم، ما اعتبروا يوماً أن هنالك حرباً مع السوريين، بل الأكثر من ذلك تفاخروا بعمالتهم لنظام مجرم قتل، واختطف، وهجر، ودمر، ونكل، ولم يوفر أي عمل سوء إلا وارتكبه بحق اللبنانيين جميعهم.

توثق الشبكة السورية لحقوق الانسان أعداد المعتقلين في السجون السورية بـ129989 معتقلا، فيما يشكل عدد المخفيين قسراً في السجون السورية قرابة 100 ألف منهم، ويقدر مدير الشبكة، فضل عبد الغني إجمالي عدد المعتقلين ب 250 ألف معتقل. وعقب هذه الوحشية صدر قانون قيصر الذي يعتبر المنفذ الأخير لـ763 مخفياً لبنانياً في السجون السورية من ضمن هؤلاء.

ووفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش السجل الأكثر سواداً في العالم من بعد السجون النازية هو للسجون السورية، وأكثرها وحشية وشهرة هو سجن صيدنايا الذي وصف بالمسلخ البشري، كما أظهرت تسريبات “قيصر” التي أظهرت صور شهيرة لآلاف جثث المعتقلين، ما دفع الولايات المتحدة إلى إصدار قانون قيصر. لكن الاشكالية الكبرى قد تكون في استخدام هذا الملف الانساني البحت في المفاوضات مع نظام الأسد للحفاظ على وجوده.

إلا أنه على ما يبدو لا تعاون في هذا الموضوع. لأن نظام الأسد لم يظهر أي حسن نية في هذا الملف بل على العكس تماماً، أمعن في تعذيب معتقليه، إضافة إلى اعتقاله نشطاء الرأي الحر من الذين يدعون دائماً إلى الثورة ضده. ولعل الطفل معاوية الصياصنة 14 عاماً، الذي أشعل الثورة في درعا، إذ كتب شعاراً ضد نظام الأسد في شباط 2011: “إجاك الدور يا دكتور”، فاعتقل 45 يوماً ذاق فيها أشنع أنواع التعذيب التي يشرح أبرزها من “الفروج” والتعذيب بالكهرباء والتعليق.

في حين أن تسليم رفات الجندي الاسرائيلي زخاريا باومل الذي قتل في معارك السلطان يعقوب في البقاع الغربي والذي شكل صدمة لمحور الممانعة، قد شكل أملا لأهالي المعتقلين، وأظهر حسن نية النظام الأسدي. لكن ما هو متاح للإسرائيليين الأعداء المفترضين، ليس متاحاً للبنانيين الحلفاء حتى. ولم يقدم أي منهم على أي مبادرة في هذا المجال. لا بل نلحظ في هذا السياق تقصيراً من الدولة اللبنانية، إذ طالب بعض المعارضين السوريين الحماية من الدولة اللبنانية للكشف عن مصير عدد من المعتقلين اللبنانيين، لكن الدولة المعروفة بوصلتها السورية الاتجاه، لم تبدِ أي ردة فعل في الموضوع.
ولا يحلمن النظام بأي تطبيع مع الدولة اللبنانية في حال قرر استخدام ورقة المعتقلين. فالموضوع بات أكبر من لبنان. لقد تحول إلى قضية “رأي عام عالمي” بعد صدور قانون قيصر. لذلك كله، هذه الورقة سقطت من يد نظام الأسد؛ وما لن يفرج عن المعتقلين بملء إرادته سيكون التدخل دوليا للإفراج عنهم. والقوة العسكرية الدولية قد تستخدم هذه الورقة للإنقضاض عليه.

ما بعد قيصر لن يكون كما قبله. ومصير المخفيين والمعتقلين اللبنانيين لا بد وسيكشف؛ إن لم يكن اليوم فبالغد القريب. ومخطئ من يظن أن هذا الملف الانساني البحت، سيصبح ورقة نجاة سياسية لنظام الأسد. كلنا أمل ورجاء بعودتهم، أو على الأقل بمعرفة مصيرهم. إن لم يكن من أجل قيصر بل من أجل الانسانية المدانة بنكرانهم إذا استمرت بذلك. ومن له أذنان للسماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل