“خلصت الدبكة” والثورة نحو الأخطر

مراوحة في الفراغ المعطوف على التعثر والعجز عن تحقيق أي إنجاز فعلي، أو في أفضل الأحوال حركة من دون بركة، وقرارات أقل من عادية في ظروف استثنائية كارثية على مختلف الصعد، الاقتصادية والمالية والمعيشية، وخصوصاً في ظل الغيوم السوداء التي لا تزال تحيط المفاوضات القائمة مع صندوق النقد الدولي. هكذا يمكن اختصار التخبط الحكومي على المستويات كافة، على الرغم من الضجيج السياسي والإعلامي الذي تحاول السلطة الحاكمة إثارته لتغطية الفشل المحقَّق بامتياز في معالجة الأزمات المتفاقمة.

وفي هذا السياق، يأتي ما يُسرَّب من بالونات اختبار عن تغيير حكومي لاستنهاض الوضع، أو إعطاء مهل نهائية محدودة لبعض الوزراء للإنجاز قبل تغييرهم. أو أيضاً، جس نبض بعض الأطراف السياسيين حول إمكانية إبرام صفقة سلطوية جديدة، تشتري السلطة من خلالها بعض الوقت لالتقاط الأنفاس والصمود في مواجهة الإصلاح المحتوم والشروط الدولية الحاسمة، بالإضافة إلى الغضب الشعبي المعتمر في النفوس والمنذر بالتفجر بشكل غير مسبوق منذ ثورة 17 تشرين، بدء من السبت المقبل.

مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية الدكتور سامي نادر، يقدّم، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، رؤيته للمشهد السياسي العام من زواياه المحلية والإقليمية والدولية وما يؤشر إليه من تطورات في المرحلة المقبلة، لافتاً إلى أنه “على الصعيد الداخلي، لدى الحكومة مهمة أساسية وهي معالجة الوضع الاقتصادي، وسط مفاوضات قائمة مع صندوق النقد الدولي”.

ويعتبر نادر أن “هذه المفاوضات (ماشية ومش ماشية). والأقرب هو أنها لم تصل، ولا تزال بعيدة من الوصول إلى مرحلة الحسم. والسبب، أن المسؤولين لا يزالون غير متفقين على الأرقام والأولويات. بالتالي، لن تُحدث هذه المفاوضات أي خرق الآن، خصوصاً أن المسألة معطوفة على الأوضاع السياسية والإقليمية والدولية، إذ هناك ما هو مطلوب سياسياً من لبنان”.

ويرى أنه، “حتى لو جهز الملف التقني، وهو غير جاهز ولا شيء يسير إذ لا أرقام ولا خطة موحدة بل فقط أناس يجلسون حول طاولة يتحدثون. لكن ليس فقط على هذا المستوى الأمور معرقلة ولا تمشي، بل ثمة ما هو مطلوب من لبنان على المستوى السياسي كما أشرنا. وهنا بدأت الأمور تتكشف ليظهر الإنكشاف السياسي للبنان بسبب حكومة اللون الواحد، وإن ألبسوها لبوس التكنوقراط”.

ويضيف، “ما يقوله المجتمع الدولي بوضوح: أقفلوا الحدود، ولا أموال من صندوق النقد ولا مساعدات قبل إقفال الحدود”، لافتاً إلى أن “ما يجعل ضبط الحدود أمراً ضرورياً وأساسياً اليوم هو قانون قيصر الأميركي الذي دخل حيّز التنفيذ، والذي يكشف لبنان أيضاً”.

ويلفت نادر إلى أن “حزب الله لا يصعِّد في هذا الإطار لكنه لا يسمح أيضاً بإقفال الحدود، إنما نرى تصعيداً لموقفه تجاه مقرر أساسي في صندوق النقد الدولي وهي الولايات المتحدة. وهذا ينقلنا من الشق التقني إلى الشق السياسي”.

ويوضح أن “على طاولة صندوق النقد هناك طرف يملك حق الفيتو، والدولة الوحيدة التي تملك هذا الحق هي الولايات المتحدة. بالتالي، ومهما قيل، هناك حد أدنى مطلوب أميركياً من لبنان في السياسة لتسهيل برنامج مساعدة اقتصادية وإنقاذ لبنان اقتصادياً. الأزمة هنا. أما، هل تشكيل حكومة جديدة يؤمِّن هذا الحد الأدنى المطلوب في السياسة من لبنان؟ هذا الأمر يتوقف برمته على حزب الله”.

ويقول، “إذا كان البعض يفكر بإعادة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري لكي يتغطى به، فسنكون أمام مشكلتين: الأولى، هل ستقبل الثورة بذلك؟ والثانية، هل المجتمع الدولي سيضخ الأموال وهل لا تزال هذه الأمور تنطلي عليه؟”، مذكّراً بأن “مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر قالها بوضوح: لا أموال للبنان، ولا قرش، إن لم يتم عمل شيء في السياسة”.

ويضيف، “بعد انتهاء عملية التفاوض بين صندوق النقد الدولي والحكومة اللبنانية، سيحمل المسؤولون في الصندوق الملف إلى طاولة الدول التي ستدفع وتقدم المساعدات المالية، وقرار هذه الدول يتوقف على مدى تلبية لبنان للمطلوب سياسياً”، معتبراً أن “مساعدات صندوق النقد وإنقاذ لبنان اقتصادياً، عملية صعبة جداً طالما بقي موقف حزب الله على حاله”.

ويشدد نادر على أن “اللعبة باتت اليوم مكشوفة. حزب الله يدعم هذه الحكومة مع حليفه التيار الوطني الحر، بمواجهة ثورة تعود للتأجج في مواجهة حكومة لا تلبي مطالبها الأساسية. وصحيح أن الحكومة لا تصعِّد الموقف وتعمل على امتصاص الصدمات بين حزب الله والمجتمع الدولي، لكنها لا تقدّم شيئاً في المقابل على صعيد الإصلاحات كي يقال إن الملف يمشي على المستوى التقني على الأقل، بل هي لا تعطي حتى قراءة موحدة”.

أما عن التطورات التي ستحملها المرحلة المقبلة وسط قرار الثورة بالعودة إلى تصعيد المواجهة مع السلطة، فيعتبر نادر أنه “بالقراءة، نعرف ما كان وضع الثوار في 17 تشرين الأول الماضي ووضعهم الراهن. فالثوار اليوم يعتريهم غضب شديد، إذ هم ازدادوا فقراً، وإما خسروا وظائفهم أو يتقاضون نصف راتب ولا يمكنهم سحب مدخراتهم من المصارف، والأسعار في السوبرماركت والمحال ارتفعت مرتين وأكثر عما كانت عليه في تشرين وإلى مزيد من الارتفاع”.

ويضيف، “بالتالي، الثائر والمجتمع اللبناني الذي انتفض ازداد فقراً وكبتاً، وهذا ما يدفعنا إلى القول إن الثورة ستأخذ أشكالاً عنفية وهي باتت قابلة للانفجار أكثر. فالثائر الغاضب والمكبوت والمحطم لم يعد يريد النزول إلى الساحات للرقص والدبكة، بل أصبح جاهزاً على المستوى النفسي لتصعيد الموقف إلى ما هو أخطر”.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل