تحوير الثورة

 

تعالت الدّعوات للتظاهر يوم السبت المقبل في 6 حزيران، والمفارقة تعجُّب أهل السلطة عن سبب هذه التحرّكات. وهم بدأوا يعدّون عتادهم القمعي من اليوم. في حين أن الثوار وفدوا بالمئات من اليوم إلى الساحات، وذلك نتيجة لتهديدات صدرت من مناصري هذه السلطة. مشهد 8 و14 آذار يتكرّر اليوم لكن تحت مسميات مختلفة. فهل ستحقق 17 تشرين الاجتماعيّة ما لم تحققه 14 آذار السياسية؟

المعطيات الدولية قد تتشابه بين الثورتين حيث كان صدور القرار 1559 في 2 أيلول 2004 حافزًا لإشعال ثورة 14 آذار بحلّتها السياسية- السيادية؛ أتى قانون قيصر الأميركي السياسي إزاء النظام في سوريا ليحفّز لبنان في استعادة ثورته الاجتماعية، بعدما أنهكه النظام السوري إجتماعيا بعد نفاذ إنهاكه سياسيًّا منذ العام 2005 وحتى اليوم.

تهريب جمركي في المرفأ والمطار، وحدود متفلتة ومعابر سائبة بحماية سوريا وأزلامها، أنهكت لبنان إقتصاديا، وهذا ما سيدفع ثوار لبنان للنزول يوم السبت. فالدافع هنا هو اجتماعيّ بدَفْعٍ سياسيٍّ بلغ من العمر 15 عاماً من الاستغلال وصل إلى هذا الدرك من الانحطاط. وهذا ما ينبئ بارتباط الملفين والثورتين في البعد الوطني السيادي. من هنا، تتلازم الثورتان في المسار نفسه، ولكن لن تتلازما في المصير نفسه.

لقد نجح فريق السلطة بإسقاط ثورة 14 آذار سياسياً باستخدامه سلاح حزب الله غير الشرعي بطريقة مباشرة تجلّت في أحداث 7 أيّار 2008، فكانت الضربة التي قضمت ظهر القوى السياديّة، وشرذمت وحدتها بالاغراءات في جنّات الحكم، تحت وقع التنازلات المتكرّرة، والتي ما نال بعض من تنازل عن خطّه السيادي سوى الفتات منها. إلا أنّ صمود أصحاب الرأي الحرّ والمواقف الصلبة في خطّهم السيادي أسّس للمومنتم الدّستوري في بعده المؤسساتي لثورة جديدة تجلّت في ثورة 17 تشرين.

من هنا، تبرز حاجة هذه الثورة الاجتماعيّة إلى فريق مؤسساتي استطاع بعمله النزيه وبشفافيه المعهودة أن يفرض إيقاع وطبيعة العمل اللذين تنادي بهما هي نفسها.

وحذارِ أن يتم إجهاض هذه الثورة بدفعها على ضرب ما أمّنه لها هذا الفريق السيادي الذي صمد في داخل المؤسسات، وحافظ على نزاهته في العمل السيادي تحت شعار “كلن يعني كلن”.

من هذا المنطلق، كما غيّرت في بوصلتها، ووجّهتها نحو السلاح غير الشرعي الذي أجهض الثورة السياسيّة في 14 آذار، وحمى الفساد منذ العام 2005 حتى اليوم، ثورة 17 تشرين مدعوّة لاجتراح شعار جديد يتماشى مع المرحلة الجديدة التي يجب أن تسير بخطين متوازيين: خطّ الشارع مع عامة الناس الثائرين من جوعهم، وخط مَن هم في صلب مؤسسات الدولة الدستورية ليواكبوا هذه الثورة من داخل المؤسسات بنزاهتهم التي شهد لها الخصوم قبل الحلفاء. وذلك لن يتحقق إلا بالتخلي عن المصطلحات الموروثة منذ زمن الحرب البغيضة التي ما خدمت ولن تخدم سوى مَن يثورون عليه اليوم.

المطلوب واحد اليوم، قول الحقيقة مهما كانت صعبة. ولن يكون ذلك إلا بالترفع عن الأحقاد الموروثة، وعدم الاصغاء إلى الكم المخيف من الشائعات المغرضة التي يتمّ استعادة أدبيّات الحرب البغيضة بوساطتها.

والمطلوب العمل على تحوير وجهة الثورة لتتواءم مع الثورة المؤسساتية للتوصل إلى إقرار انتخابات نيابيّة مبكرة وفق القانون الحالي الذي لن ينتج الطبقة السياسيّة نفسها بسبب الوعي الحضاري الذي عصف بالشارع اللبناني. غير ذلك تكون الثورة قد قدّمت لفريق السلطة، وعلى طبق من فضة، القدرة على إجاضها كما أجهضت سابقتها. وقد أعذر من أنذر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل