قبل انهيار ما تبقى من الجمهورية

اولا: منذ ان أصبح الدستور وجهة نظر والسيادة غب الطلب والاستقلال رهن الاجندات الاقليمية والدولية ومصالح لبنان العليا تتبع تقويم الولاءات العابرة للحدود، تجاوزنا المزرعة وأصبحنا في صلب الانهيار وفي قلب الفشل ولبنان بات دولة مارقة.

نعم أصبحنا في دولة مارقة، لأن الاصلاح ممنوع ولان الانجاز محرم، ولأن المماطلة والتسويف وتشتت المواقف وتقاسم الحصص، اسياد الموقف لدى تلك الطبقة الحاكمة.

كل يغرد خارج السرب، لا بل كل يغرد في سربه الخاص الحزبي والفئوي والمناطقي، ومع ذلك يدعون كونهم خير حكم وخير حكومة وخير حكام. يتوجهون للاستعطاء من صندوق النقد الدولي، وهم أعجز من توحيد ارقامهم حول الخسائر الحقيقية.

يؤجلون التعيينات للمرة الثالثة على التوالي، لاستكمال صيغ تقاسم جبنة المحسوبيات والزبائنية، فتنحو الخلافات حول الحصص والأسماء مسألة حياة او موت لفريق، يهيمن بحجة التوازن الطائفي على حصصه الحزبية من الكعكة، فتبقى الدولة بدون تعيينات في لحظة مطلوب من لبنان دوليا انجازات سريعة في القضاء والهيئة الناظمة لقطاع الطاقة ومجلس ادارة جديد للكهرباء وضبط للحدود ووقف الهدر في الموافق العامة. فيتم التوافق على تأجيل البحث في التعيينات الادارية والمالية الى الأسبوع المقبل.

أما التشكيلات القضائية فلا تزال متعثرة، خلافا للقانون والدستور الذي يكرس السلطة القضائية كسلطة دستورية في المادة 20 منه، وبكل فظاظة وبدون وجل او خجل يقال انها لم تصل بعد الى قصر بعبدا ليبني رئيس الجمهورية على الشيء مقتضاه، اي مقتضى هذا؟

فرئيس الجمهورية من حقه الطلب من مجلس الوزراء اعادة النظر في خلال مهلة 15 يوم من تاريخ ايداع رئاسة الجمهورية اي قرار من مقررات مجلس الوزراء، ما يعني ان المهلة ليست مفتوحة لمساومات والتعديلات بعد توقيع رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل، فأي كلام عن عدم وصول التشكيلات الى قصر بعبدا منذ توقيعها في بداية الأسبوع، بحد ذاته مخالفة دستورية. علما ان عمر مرسوم التشكيلات المنتظر ثلاثة أشهر.

اما المفاوضات المالية مع صندوق النقد لدولي فكيف يمكن ان تخرج من مراوحتها وتعثرها ما دام المفاوض اللبناني لم يقدم حتى الان للصندوق ارقاما موحدة وبعد أكثر من تسع اجتماعات الى الان. فحتى الارقام باتت وجهة نظر وموضوع محاصصات.

كيف يعقل في دولة تحترم نفسها ان تكون ارقام وزارة المالية هي غير ارقام المصرف المركزي، كما ان ارقام جمعية المصارف تختلف عن ارقام الوزارة والمصرف المركزي؟ وأكثر من ذلك تتدخل رئاسة الجمهورية لتوحيد الارقام؟

ثانيا: حكومة الاقنعة الاذارية، بلباس تكنوقراطي غير مستقل، وبنفس سياسي تحاصصي، والموجهة بـ”الروموت كونترول” عن بعد ومن كواليس القصور، سقطت في امتحان كفاءتها اولا وحياديتها ثانيا، وتبين للجميع مع الوقت ان ما قاله النائب محمد رعد يوم جلسة الثقة من انها لا تشبههم، كان كلام تضليليا، جاءت الوقائع والتجربة لتثبت مدى سيرها في هديهم وكونها، “موزاييك من القوى السياسية، إذ راح كل طرف في خضم خلافاته يهدد بسحب وزرائه منها، نتيجة تفجر العلاقات بين فرقاء الصف الواحد، ذلك الصف الذي كان منذ اشهر قليلة خلت ينعي قوى 14 اذار، فإذا بالتجاذبات والخلافات الطاغية على السطوح بدأ من محاصرة رئيسها حسان دياب من طائفته وصولا الى عدم الانسجام في السياسات الضاغطة والاصلاحات المطلوبة  والتي تجلت  في فضيحة الارقام  امام صندوق النقد الدولي والمراوغة في انجاز خطوات اصلاحية سريعة وممكنة وسهلة وفورية.

ولعل ما زاد من دلالات على هشاشتها ووهنها: ما تسرب اخيرا من محاولات جرت لتعديلات حكومية سواء من جانب النائب جبران باسيل او من وزيرة الدفاع زينة عكر، الاول لمحاولة الاستحكام والتحكم اكثر بقرارات وسياسات الحكومة حتى اذا اقتضى الامر عودته للحكومة، مع ان قانون قيصر اقله، لم يعد مريحا لمثل هذه العودة، وبالتالي سقوط محاولته بإحياء نوعا من تسوية رئاسية جديدة يستعيد زمام المبادرات الحكومية من خلالها، تعبيدا لطريق ترشحه للرئاسة.

فيما عكر التي تربطها علاقات صداقة مع الاميركيين والسفيرة الاميركية دوروثي شيا ومع غالبية القوى السياسية حتى منها غير الممثلة في الحكومة حاولت تسويق طرح تعديل وزاري بـ”قبة باط” من دياب، لمحولة الخروج من عزلته ومحاصرته من مكونات حكومته التي كان يعتقدها خطأ حليفة له ومسهلة لعمله.

ثالثا: الحكومة ومعها الحكم والطبقة الحاكمة يسيرون جميعهم خبط عشواء، فكانت جلسة مجلس النواب الاخيرة في اليونيسكو، قمة البهدلة، “الهريان” و”الصدأ” لطبقة سلطوية مشلّعة بين العجز في الادارة والتشريع والفشل في الانقاذ والارتهان لمتطلبات استراتيجية اقليمية تزيدها جمودا وشللا.

فمجلس النواب الذي أقر الآلية الجديدة لتعيين الموظفي بمبادرة بطولية من تكتل الجمهورية القوية يعجز عن حمايته كما يعجز عن تشريع عفو عام، كبله بدل ان يكون هو من يضبطه تشريعيا بما يحقق العدل والانصاف.

وكان اجتماع قصر بعبدا مع سفراء الدول الخمسة، لدعم التجديد لقوات اليونيفل في الجنوب بقواعد الاشتباك ذاته في لحظة التبدلات الاقليمية والدولية الساخنة والضغوط الاميركية التصاعدية على لبنان والعقوبات المتسارعة المنهمرة على محور طهران وحزب الله، بمثابة لزوم ما لا يلزم، اذا كان موقف لبنان معروف بانحيازه ضد واشنطن الى جانب محور الحزب واستراتيجيته، فيطالب بالتجديد من دون تعديل في البرنامج او في العديد، لإبعاد شبح نشر قوات اممية على الحدود الشرقية، عشية دخول قانون قيصر حيز التنفيذ، وسط تكرار السفراء أن لبنان لا يطبق القرار 1701 وقد تحول جنوب الليطاني الى برميل بارود ومخزن هائل للأسلحة التي لا تمون الدولة على رصاصة واحدة فيها.

رابعا: استردت الدولة قطاع الخليوي، وهذا في المبدأ امر إيجابي، ولكن سرعان ما “شفطته” المحاصصة وتعيينات الازلام، حصة لرئيس مجلس النواب نبيه بري، وثانية للتيار الوطني، وثالثة للنائب فيصل كرامي الى ما هنالك من حصص.

كذلك فضيحة قطاع الفيول، حيث موظفين ارتشوا فيما بقي الراشي مجهلا، والفيول لا يزال مغشوشا، وعمليات الضبط والإحضار تترنح عند موظفين صغار، فيما الرؤوس معفاة من الملاحقة، قبل ان تشملهم الحمايات المصلحية، فتم تمديد عقد سوناطراك بغياب دفتر شروط المناقصة.

غريب كيف ان هذه الحكومة العصية على الثورة الى الان من السقوط، تتساقط ملفا ملفا، بانتظار 6 حزيران حيث الحراك الذي كان منقسما في اهدافه وشعاراته، رسى على ما يبدو على رؤية وطنية نأمل ان لا تخرقها غوغائيات مسيسة ومندسة لإفشاله واسكات صوت المواطن الحقيقي الذي يعاني ويئن من وضعه المعيشي والاقتصادي المذري، وقد بشرنا النائب جميل السيد بمرحلة جديدة من بطش معهود ومتلائم مع تاريخه الشخصي المخزي، داعيا إلى دعس الثوار وإطلاق النار عليهم.

خامسا: لبنان امام استحقاق قانون قيصر، فهذا القانون يمنح السلطات الاميركية ادوات للمساعدة في انهاء النزاع المستمر في سوريا من خلال التشجيع على مساءلة نظام الرئيس بشار الاسد، كما ينص على فرض عقوبات على من يقدم دعما للنظام، ويحذر اي طرف أجنبي من القيام باي اعمال مع هذا النظام او اثرائه بأي طريقة، بحسب ما أعلن وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو. فلبنان مستهدف ايضا وفي عين القانون خصوصاً في موضوع التعامل مع النظام السوري.

وقد شكلت الحكومة لجنة للنظر في تداعيات هذا القانون على لبنان، فيما المطلوب اميركيا، وبوضوح، وقف البلدان المجاورة لسوريا من توفير الدعم الاقتصادي لها، عبر الافراد، الشركات او مؤسسات الدولة.

وما يزيد من خطورة التداعيات على لبنان ان المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، أجرى أخيراً جولة مباحثات مع الجانب السوري في موضوع اتفاقيات استيراد القمح وغيره من المواد الاساسية. فالحكومة لن تقوى على مواجهة نظرة حزب الله، في مواجهة هذا القانون، وهو يرفض أصلا، مناقشة هذا القانون على طاولة مجلس الوزراء. فلتتعظ هذه السلطة قبل انهيار ما تبقى من الجمهورية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل