“بدّن يركعوا العالم؟”

يتحمل اللبناني مرارة الحياة في هذا الوطن، مكتوم الصوت، ناهيك عن الكمامة التي وصدت الشفاه. يتأقلم مع المستجدات المقلقة، محاولاً إيجاد سبيل للبقاء. وإن تكلمنا عن القطاع المصرفي، الذي لطالما تغنينا به، فقد تحول من معقل فخر إلى مصدر ذلٍ. خبأ اللبناني حصاده في المصارف اللبنانية مؤمناً إياها على جنى عمره، ليصبح متسولاً على أبوابها في آخر العمر.

في سحر ساحر، صحا اللبناني من نومه ليجد العملة الخضراء متبخرة ومن شبه مستحيل الحصول عليها، تقبّل الأمر الواقع.

نام اللبناني، غير متخوف على قيمة مدخراته بالليرة اللبنانية ليصحو ويصدمه الواقع ويجد ما دخّر، تبخر. وتقبّل الأمر الواقع.

وضعت سقوف للسحوبات بالدولار، بدأت بسقف عالٍ ـ مقبول إلى حدّ ما ـ يخول المرء العيش بشبه كرامة. وتقبل الأمر الواقع.

لامس الدولار الأميركي حدّ الـ4500 ليرة لبنانية في السوق السوداء. وتقبل اللبناني الأمر الواقع.

اختفى الدولار الأميركي بشبه كامل من البلاد، فلا عاد الموظف يقبض راتبه بالدولار، والأسوأ ما عاد بإمكانه سحب أي من مدخراته الدولارية، وأبرمت تسوية لإسكات أفواه اللبنانيين وسمح لهم سحب دولاراتهم على أساس الـ3000 ليرة للدولار الواحد. وتقبل الأمر الواقع.

بإمكان السرد أن يستمر لساعات عن وضع المصارف اللبنانية فقط، والضياع التي تمرّ به، وأساليب معاملة العملاء. لكن الصدمة الأخيرة، التي لا أعلم إلى أي حدّ قد يتقبل حينها اللبناني الأمر الواقع، هي “صيحة” جديدة، تتمثل “بفرض” المكننة والتطور على العملاء. للتوضيح، لم يعد باستطاعة العميل في عدد من المصارف اللبنانية، إجراء أي عملية سحب وحتى إيداع ـ بالشخصي ـ وعليه تحميل تطبيق المصرف الإلكتروني على هاتفه النقال وقيامه بنفسه بالتحاويل، والتوجه بعدها إلى الصراف الآلي لإتمام المهمة.

وهنا نسأل، ألا تفقه إدارة المصارف أن هذا التطور “صيحة” طارئة على العالم ومجتمعنا؟ ألا تعلم هذه الإدارات أن معظم أصحاب الحسابات المصرفية المتوسطة والكبيرة الحجم تخطى العقد الثالث من العمر؟ ألا تعلم أن جزءً كبيراً من مجتمعنا لم يتأقلم والتكنولوجيا بعد ولم يفكر بالموضوع أساساً؟ ألا تعلم أن عددا كبيراً من أصحاب الحسابات هم من المسنين الذين لا يملكون هواتف نقالة؟ ألا تعلم هذه الإدارات، أن عامل الثقة مفقود تماماً بهذه الأساليب، خصوصاً عندما يتمحور الموضوع حول جنى العمر؟

كل هذه الأسباب، ألم تأخذها الإدارات في عين الاعتبار، لتفرض من دون رأفة ولا رحمة ولا سابق إنذار هذا النظام الجديد على العملاء، لينصدموا داخل المصارف، ويركضون بحثاً عن أولادهم لتأمين هاتف، وآخرون بحثاً عن اتصال بشبكة الانترنت لأن المصرف لا يؤمن حتى هذه الميزة… وبعدها يعودون في اليوم التالي لإتمام العملية الإلكترونية داخل المصارف.

إنْ أرادت إدارات المصارف من هذا الإجراء تخفيف الضغط على موظفيها، معتقدة أن هذا الأمر سيسهل إجراءات العميل، فلتعلم أن اللبناني ليس جاهزاً لمجاراتها، ولا أعلم كم من اللبنانيين سيتجهز لمجاراة هكذا إجراءات. عبثاً تحاول المصارف اللبنانية، ولكن السؤال الجوهري يبقى، كم من السنين سيستغرق الأمر حتى تعود بذور الثقة لتنمو بين العميل اللبناني والمصارف. لا الأجانب!

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل