لماذا تثورون؟

بعيداً من التحليل السياسي اليوم، ونزولا عند احترام أدبيّات الثورة التي إن سُيِّسَتْ، فقدت جوهر وجودها حتماً. سأنقل إليكم حواراً دار الأمس بيني وبين “أبو الياس” الذي يناهز الخامسة والتّسعين من العمر، تجمعني به جيرة عمر، والتقينا دومًا في صباحات سياسيّة، يسرد على مسامعي أحلام صباه فيها، ويخبرني عن بطولاته بأسلوبه الفكاهي الساخر.

التقينا والديكة في خممتها تصيح مطالبة بالحريّة لتسرح في سيرتها. والشمس تحوك طِرَاحَ الأشجارِ، ومطر حزيران المستغرب يحوك الأرض لتغدو سريرًا مكسوًّا بالخضار بعدما أيبستها شلهوبة العنصرة. جمعتنا مشية الصباح التي دأب عليها أبو الياس من صباه. فالتقينا عند “عين يوسف” التي تغدق بخيرها على عطش أبناء ” كفرشليم.” فسرنا معًا نطبع أخيلة على الاسفلت البارد الذي لم تستطع بعد أن تدفئه شمس حزيران هذه السنة. وفي الطريق سألني أبو الياس:

– سمعت أنّ في بيروت ثورة اليوم؟ فأجبته:

– “بيروت هي أمّ الثورة، وما انطفأت ثورتها منذ صباك يا صديقي.” فأومأ برأسه وربّت على كتفي وقال:

– ” ثورتنا بالأمس كانت غير ثورتكم. لقد ناصرنا الأمّة العربيّة لتنتشلنا من انقساماتنا، وتأمّلنا أن توحّدنا تحت لواء العروبة، الوطن الأم، سوريا الكبرى. لكن أتعلم ماذا حصدنا؟ إنقسام فوق إنقسام حتّى استنزفت القضيّة العربيّة الأمّ قضيّتنا اللبنانيّة. فحملنا البندقيّة التي صنعناها من قسطرة المياه المغروسة تحت الزّفت. وقاتلنا الصومالي، والبنغلادشي، والفلسطيني، الذي أراد سلب وطننا لينشئ وطنه البديل. حتّى بتنا نقاتل جنسيّات الكون كلّه لنحافظ على وطن أفضل لنسلّمكم إيّاه. دمّرونا يوم اغتالوا حلمنا وأسقطوا البشيرفي ذلك الرابع عشر من أيلول في  العام 1982 . يومها كنت قد ناهزت السابعة والخمسين. فقرّرت الاستقالة من النّضال وعدم التّعاطي بالشأن العام، وعدت إلى ” كفرشليم” وتزوّجت من أرضي، وأنجبت منها هذه الغابات.” وأشار بيده إلى غابة أرزٍ فتيّة كان قد زرعها إكرامًا لرفاقه الشهداء، فعن روح كلّ شهيد، زرع أرزة ليخلّد ذكراهم. وبمحاذاتها جُنَيْنَةٌ صغيرة أنبتها ببعض اللّوزيات من مشمش، وخوخ، ودراق وغيرها من الأشجار المثمرة، ونمت  بفيئها الخفيف مساكب  من النعناع الأخضر، والفرفحينة البريّة. وعلى أكتافها أثلام من الخيار الشّمسي، والكوسى، والباذنجان، وتسلّقت على حفافيها نباتات الفاصوليا واللوبياء البادريّة، على شبكة خيّطها أبو الياس من القصب والقشّ اليابس فبدت فستان مراهقة تتخلله فتحات إغراء لشباب عصرها.

لكأنّ الزمن توقّف عند أبو الياس لحظة اغتيال حلمه: البشير. فسألته عندها:

– وماذا تترقّب اليوم وأنت في الخامسة والتّسعين؟ فأجابني ونحن نتسلّق شعاعات من شمس دافئة، وبيده عصا سنديانيّة صنعها بنفسه، وعلى حدّ قوله: ” هذه العصا ليست بعكّاز، وفهمك كفاية.”  فأجابني قائلا:

– ” ما زلت أتأمّل بأن أعيش في وطن فيه دولة مؤسسات كما تربّيت على فكر شارل مالك، والبشير، وبيار الجميل، وكميل شمعون وريمون إدّه. وكلّي إيمان عندما أرى هؤلاء الصبية يحملون العلم اللبناني الذي صنعنا منه علم قضيّـنا، ويؤمّون الساحات. لكن ما يؤلمني يا صديقي هو هذا الانقسام حول كيانيّة الوطن. لماذا هنالك من لا يؤمن بعد قرن من عمر لبنان بوجوده؟ أتعلم؟” صمتي كان عجزًا وليس موافقة على كلامه. فتابع :

– ” المشكلة يا صديقي في الزؤان الذي زرع في عقول هؤلاء، حتى أنّ زارعيه اعتنوا به أكثر من القمح، فتعمشق عليه وخنقه حتّى أيبسه قبل أوانه. ومن واجباتك أنت أن تعيد زرع القمح لتحصده خيرًا لوطنك. والمشكلة الأكبر في الوكيل غير الأمين الذي سُلِّم الكرم فباعه في أسواق الشام وطهران لينهبوا عناقيده ويعيثوا خرابًا وفسادًا في عرائشه حتّى تيبس ويموت الكرم قبله. وما هذه الثورة إلا حبّة قمح إن أحسنتم الاعتناء بها نبتت وصارت سنبلة باسقة، لتنبت منها السنابل. والكرم لو بقيت فيه نصبة عريش واحدة، وستبقى، سيعود كرمًا أخضر يتدلّى فيه الخير عناقيد عطاء. فلا تدع الخوف يتسلّل إلى قلبك لأنّ من يخف يمت لئن بقي حيًّا”

نظرت إليه والتعب افترس تكاوين وجهه، فطلب مني أن أساعده ليسند رأسه على جذع أرزة من رفقائه الشهداء. فأجلسته على الأرض. وقلت له :

-” أعتبر كلامك وصيّة سأحملها طالما حييت. ولن أسمح لإخوتي في الوطن والوطنيّة بألا يؤمنوا بكيانيّة لبنان. وسأعمل بكلّ ما أوتيت من فكر وقوّة عقيدة، وصلابة إلتزام، وعمق في الايمان على زرع حبّة الحنطة التي أشرت إليها كي لا يسقط حلمك مرّة ثانية. وسأستصلح الكرم الذي أيبسوه ليعود كما عرفته” فرفع عينيه صوب الشمس واستنشق بخور أرز رفقائه وقال:

– “الآن أريد أن أرتاح، اشتقت لرفقائي.” وأغمض كيانه ورحل، ليغدو أرزة مع هذه الأرزات.

عَدَوْتُ مسرعًا إلى كنيسة القرية، وقرعت الجرس فرحًا، لا حزنًا. فالتمّ أهل ” كفرشليم” حولي متسائلين عن سبب قرع الجرس. فقلت لهم:

– ” أبو الياس اشتاق لرفقائه فذهب، وهو يدعوكم إلى الثورة لأنّه عرف لماذا تثورون، وثورتكم حقّ وحقيقة للتاريخ.”

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل