#adsense

لبنان وطن سوء التفاهم التاريخي

حجم الخط

 

بقراءة معمقة في التاريخ السياسي الحديث للبنان، تطالعنا عند كل محطة، صدمات وتقلبات حادة، القاسم المشترك بينها هو وجود سوء تفاهم تاريخي يتكرر باستمرار، حول موقع اللبنانيين من لبنان ورؤيتهم له كوطن ولاء وانتماء.

اولا: عندما اعلن لبنان الكبير عام 1920، انقسم اللبنانيون حول معنى ومضمون هذا الاعلان، فظن فريق بأن هذا الاعلان انسلاخ عن المحيط العربي الاسلامي، فيما اعتبر فريق اخر انه يعني تأمين مظلة حمائية غربية لكيان عريق سبق كيانات المنطقة في تشكيل اول هوية مستقلة عن السلطنة العثمانية ووصايتها. فوقع اول سوء تفاهم كلف لبنان فترة من انعدام الاستقرار.

ثانيا: عندما انتزع اللبنانيون مسلمون ومسيحيون استقلالهم من المنتدب الفرنسي، اتفق زعيما الاستقلال بشارة الخوري ورياض الصلح على ميثاقية وطنية تحاول بناء هوية لبنانية مستقلة عن الشرق والغرب، فنال اللبنانيون على اساسها استقلالهم لكنهم ما لبثوا ان انقسموا في كيفية ادارة البلد المستقل، وكان سوء التفاهم الثاني.

ثالثا: خلال عهد الرئيس كميل شمعون اكتسب سوء التفاهم بعدا اقليميا عربيا اسلاميا طائفيا اذ انقسم لبنان بين نزعة مسيحية تركز على اعطاء الاولوية للازدهار الاقتصادي وارساء قواعد نظام ليبرالي غربي واقتسام السلطة وبين نزعة اسلامية متشددة في تماهيها مع التوجهات القومية العربية الناصرية ورفض النهج الغربي لحساب الانخراط في المواجهة الاقليمية خصوصاً الحرب العربية الإسرائيلية، فحصل سوء تفاهم خطير ادى الى ثورة 1958 واتهام الحكم بالانضمام الى حلف بغداد المناوئ للتيار العربي الناصري. فكان اول سوء تفاهم داخلي بحيثيات ومسببات خارجية، إذ اعتبر فريق من اللبنانيين انه لم يعد يرى في نهج حكم لبنان ما يشبهه او يشبه تطلعاته.

رابعا: مع صول الرئيس فؤاد شهاب الى سدة الرئاسة، أجرى تسوية مع الزعيم العربي جمال عبد الناصر، ليرسي قواعد استقرار لبناني لحكمه، يسترضي المسلمين على حساب المسيحيين، تأمينا لنفسه ونهجه حماية اقليمية عززتها خيارات اتباع الشهابية المتناغمة مع التوجه العربي العام في عدم التخاذل تجاه القضية الفلسطينية حتى ولو ادى ذلك الى دخول لبنان في حرب مباشرة مع اسرائيل اسوة بالدول العربية المحيطة. فانتفض مسيحيو الحلف الثلاثي (شمعون، اده، جميل) على الحكم الشهابي الذي اتهموه بالالتحاق بمحور يذيب لبنان في هوية اسلامية عربية قومية على حساب الاستقلال ويدخله محور تدميري للبلاد، فخسرت الشهابية الانتخابات التشريعية عام 1967 لصالحهم، بالتزامن مع نكسة حرب الايام الستة. فكان سوء التفاهم الثاني بسبب الخارج، وخسرت الشهابية فرصة رئاسة الجمهورية للعام 1970.

خامسا: عندما تحول السلاح الفلسطيني الى سلاح احتلال للبنان وبرزت طروحات الدولة البديلة للفلسطينيين منذ اتفاقية القاهرة التي أطلقت العنان للكفاح المسلح في لبنان كأرض مواجهة وليس بلد مساندة، اصطف فريق لبناني الى جانب الفلسطيني فيما وقف فريق اخر على المقلب الاخر زودا عن الدولة والهوية اللبنانية، فأودى الاصطفاف الى سوء التفاهم المدمر عام 1975.

سادسا: ثم كانت الحقبة السورية منذ الطائف ولغاية العام 2005، ولحاجات القوى العظمى الى خدمات نظام دمشق الاقليمية، اطلقت يده في لبنان، فاحتله وخنقه بالظلم والجور والاستبداد والتنكيل بالأحرار والشرفاء، فوقع سوء التفاهم بين من دين بالولاء للمحتل وتعاون معه وانتفع منه ومعه ورأى فيه امتداده العقائدي التاريخي، وسرق ونهب ثروات البلاد فضلا عن كرامة ابنائه واستقلالهم وسيادتهم وبين من واجه وقاوم الاحتلال وزج في المعتقلات ونفي الى الخارج، واستمر الحكم الاستبدادي الى ان طردت وحدة اللبنانيين المحتل العام 2005.

سابعا: منذ العام 2005 حلى احتلال داخلي بأمرة خارجية جديدة مكان السوري، من خلال فصيل لبناني يدين بالولاء للثورة الايرانية الاسلامية في ايران، فدخل لبنان الزمن الايراني الشيعي الصفوي، تماما كما كان قد دخل الزمنين الناصري والفلسطيني والسوري لعقود خلت، فاصطف الى جانبه ايضا، وتحت امرته فريق من اللبنانيين زود بالسلاح واعطي ادوارا داخلية رديفة للدولة تجاوز من خلالها الزامات اتفاق الطائف الذي قضى بعقد اجتماعي وسياسي جديد بين اللبنانيين انبثق منه دستور، ومن مقتضيات العقد، حل جميع الميليشيات، وتقوية الدولة واصلاحها. لكن حزب الله استثنى نفسه منه تماما كما استثنى نفسه من استقلال لبنان عن الاحتلال السوري، ليصل الى الاستيلاء على كافة مفاصل الدولة وعلى قراراتها السيادية ويأسس لسوء تفاهم جديد لا يقل خطورة عن سوء تفاهم السبعينات والتي اودت بلبنان الى حرب، والبقية معروفة لن نستفيض اكثر.

فالكل يعلم ما حصل منذ ذلك الحين والى الان، وكيف بات لبنان اليوم دولة معزولة غربيا واميركيا وعربيا بسبب حكم حزب الله والسيطرة الايرانية على الدولة وكيف أصبح دولة في الهاوية الاقتصادية والمالية والاجتماعية بفضل استراتيجيات الحزب وراعيه الاقليمي.

ودائما تعاود نفس الاسطوانة من انعدام الثقة بالدولة اللبنانية والحاجة الى خارج يحميه، ويشعره بالأمان لان لا ثقة بدولة سوء التفاهم، متناسيا انه هو نفسه من يتسبب بإضعاف الدولة وهو نفسه من يرفض تقويتها لتحميه.

فيفضل البعض حمايته الذاتية ودويلته الذاتية على حماية الدولة القوية القادرة التي لا تقوى ولا تقدر الا بإرادة ابنائها جميعهم وليس فريق دون الاخر. ويطلق على حمايته تسمية المقاومة، فيما القسم الاخر من اللبنانيين يجابهه بشعار تاريخي “لبنان اولا” والعبور الى الدولة والمؤسسات وسلاح الجيش والشعب الملتف حول جيشه ودولته.

فكل هذه المحطات ان دلت على شيء فعلى الاتي: من العثماني الى المنتدب الفرنسي الى الفلسطيني فالسوري فالايراني، محطات ولاء لخارج ارض الولاء.

أ ـ صحيح ان اللبنانيين نجحوا بتأسيس هيكل كيان مستقل عن المستعمر والمحتل، لكنهم في المقابل فشلوا في بناء دولة، لان مرتكزات الدولة غير متوافرة واهمها الولاء والقناعة العميقة النابعة من ضمير جماعي منصهر، بأولوية الكيان والهوية على ما عداها من تبعيات.

ب ـ رؤساء الجمهورية المتعاقبون وصلوا الى الرئاسة لكنهم خسروا الجمهورية.

ج ـ حكوماتنا المتعاقبة تولت مناصبها لكنها فشلت في ادارة البلد وحوكمته نحو الافضل.

د ـ البرلمانات اثبتت انبثاقها من انتخابات بحدها الادنى ديمقراطية لكنها فشلت في السهر على مصالح من انتخبها وصون مقدراتهم.

انتقلنا من مارونية سياسية الى سنية سياسية الى شيعية سياسية، فبدل ان تخدم حالة لبنان الدولة السيدة الحرة والمستقلة او اللبنانية الوطنية، خدمت كل حالة نفسها فيما جاء لبنان في المراتب الدنيا من الاهتمامات، لحساب الطائفة والمذهب والحزب والمنطقة والمنصب والولاية، فكانت الحالة المارونية، والحالة السنية، والحالة الشيعية لا بل المسألة الشيعية، خاتمة الانهيارات.

سوء تفاهم هيكلي وبنيوي واحد بعدة اوجه وعدة محطات افشل تشييد دولة عصرية السيادة فيها للقانون، فحلت الزعامات والاقطاعيات بدل الدولة ورجالات الدولة، وترسخت الزبائنية والتبعية والحمية الذاتية على حساب الزود عن الدولة والوطن وبناء المؤسسات المتطورة والمنظومات العصرية وقيم حقوق الانسان اللبناني وتنميته وتقدمه ونمو اقتصاده ومعيشته وضماناته الاجتماعية من المهد الى اللحد.

وهو نفسه سوء التفاهم هذا الذي كتب قدرا على لبنان، وهو نفسه الذي تجلى بالأمس حتى في يوم الحراك الشعبي في بيروت، تاريخ 6/6 والذي اريد له ان يكون صرخة كل لبناني جائع وفقير ومريض ومحروم، فاذا به مشهدية معبرة بأسف وحسرة على استمرار سوء التفاهم بين منطقين لا يلتقيان.

فهل نستطيع الامل بنقل لبنان من ساحة الى دولة حقيقية مع هذا الكم من سوء التفاهم المتراكم والقدري؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل